مؤتمر معراب (3).. موقف سياسي أو إسناد غير مباشر للعدوان؟.. غسان ريفي

كرّس مؤتمر معراب (3) الذي عقد يوم أمس الأول السبت وضم وزراء ونواب القوات اللبنانية وشخصيات نيابية وسياسية وإعلامية تدور في فلكها، حالة الانقسام السياسي في لبنان، في ظل العدوان الإسرائيلي المتمادي وسعي الكيان إلى التوغل بعمق عشر كيلومترات في الجنوب لفرض المنطقة العازلة بحسب ما أكد وزير الدفاع الصهيوني يسرائيل كاتس.

يبدو واضحا أن مؤتمر معراب (3) انعقد انطلاقاً من فرضية: “أن إسرائيل لم تعد عدوًا للبنان”، ما يخالف الدستور اللبناني الذي ما زال يعتبر أن الكيان الغاصب عدوًا ويجرِّم كل من يتعامل معه أو يتبنى سردياته أو يروّج له، أو يعمل على تحقيق أهدافه، ما يجعل هذا المؤتمر في نظر كثيرين غير شرعي ويخالف القانون والدستور على حدّ سواء. 

لا شك في أن المشاركة السياسية في المؤتمر لا تمنحه صفة “الوطني” بل تعطيه صفة “الحزبي” أو “الفئوي”، إذ غابت عنه أكثرية التيارات السياسية التي لديها تمثيل شعبي واسع وحضور في مجلس النواب، ما يجعل البنود التي تضمنها البيان الصادر عنه لا تعني إلا من كتبها كونها “ممنوعة من الصرف” لبنانيًا. 

ربما من حق البيان المطوّل للمؤتمر أن يطالب بحصرية السلاح وبسيادة الدولة على كامل أراضيها، لكن ليس من حقه تجاهل العدوان الإسرائيلي بشكل كامل، فهو لم يُدِنه ولم يدعُ إلى وقفه، ولم يطالب بانسحاب العدو من المناطق التي احتلها ويسعى اليوم إلى احتلالها، كما أعفى العدو الإسرائيلي من التعويضات المالية داعيا الدولة إلى إلزام إيران وحدها بها.

حاول البيان استهداف الجيش اللبناني والنيل من هيبته ومعنوياته من خلال الدعوة إلى الاستعانة بقوات دولية لتنفيذ مهامه وفقًا للقرار ١٧٠١، علما أن إسرائيل ضربت هذا القرار بعرض الحائط مرات عدة، كما أن اتفاق وقف إطلاق النار في 24 تشرين الثاني 2024، الذي أنجز بموافقة مجلس الأمن وبرعاية أميركية وفرنسية لم تُقم إسرائيل له وزنًا، بل استمرت في حربها على لبنان وخرقت الاتفاق أكثر من عشرة آلاف مرة حاصدة 500 شهيدًا وأكثر من 4000 جريحًا، ووسعت من احتلالها ودمرت ما تبقى من المنازل والمؤسسات وصولا إلى قتل الأرض بالمواد الكيماوية لمنع الجنوبيين من العودة إلى قراهم الحدودية ومن الزرع والانتاج. 

كما أن الحديث في البيان عن الفصل السابع، هو بمثابة استدراج لاحتلال جديد وإعلان حرب على مكوّن لبناني عريض يرفض الاحتلال ويواجه العدوان الاسرائيلي، واستعادة لمآسٍ عاشها لبنان في بداية الثمانينيات من القرن الماضي.

وفي ظل حالة الانقسام العمودي والمعاناة التي يرزح تحت عبئها أبناء الجنوب والضاحية الجنوبية وبعض البقاع جراء النزوح، جاء البيان ليشكل مزيدا من الاستفزاز لهم بالتأكيد على منع إعادة الإعمار من جيوب اللبنانيين، ما يضع النازحين أمام طريق مسدود يضاعف من حالة التوتر التي تسيطر عليهم. 

ولعل أخطر ما في البيان هو الدعوة إلى محكمة وطنية أو ذات طابع دولي أو مختلطة تتولى ملاحقة المسؤولين عن إدخال لبنان في الحرب، وفي ذلك تبرئة واضحة لإسرائيل من جرائمها ووحشيتها، واتهام ومحاكمة كل من يواجهها ويرفض عدوانها ويتصدى لاحتلالها، وبالتالي تجريم شريحة واسعة من اللبنانيين واعلان الحرب عليها. 

كما أعطى البيان لمؤتمر معراب حق امتلاك “ختم” تصنيف وسائل الإعلام واعطائها شهادة في السيادة والوطنية وملاحقة الوسائل الأخرى قضائيا.

بالتزامن مع انعقاد مؤتمر معراب، كانت إسرائيل تستهدف وتقتل ثلاثة صحافيين وأربعة مسعفين وعسكري في الجيش اللبناني وشخصين من الطائفة المسيحية هما الشهيدان جورج سعد وإبنه إيلي على طريق دبل، إضافة إلى عدد كبير من المدنيين، ما يؤكد أن إسرائيل لا تفرق بين لبناني وآخر وبين طائفة وأخرى ولا تتوانى عن إستهداف المؤسسة العسكرية التي ارتقى لها عدد من العسكريين الشهداء، وأنها ماضية في عملياتها العدوانية والاستيطانية على الأرض اللبنانية وصولا إلى المنطقة العازلة.

وقد تغاضى المشاركون في مؤتمر معراب عن كل ذلك ولم يحركوا ساكنا تجاهه، ما يشير بحسب مصادر سياسية متابعة إلى أنهم “تجاوزوا الموقف السياسي المشروع إلى تشكيل حالة إسناد غير مباشر لهذا العدوان”، وأنهم “يستعجلون نتائج الحرب على لبنان وإنتصار العدو ليستثمروا به سياسياً، في حين أن تطورات الميدان قد تعاقبهم بحرمانهم من المكتسبات التي يطمحون اليها”.

 



 

Post Author: SafirAlChamal