ما بعد الحرب أخطر من الحرب: العرب غائبون!.. عبدالكافي الصمد

في العام 1915، بعد سنة من إندلاع الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، تعهّد المندوب السّامي البريطاني في مصر، هنري مكماهون، للشريف حسين بن علي، مؤسّس وحاكم المملكة العربية الحجازية، بتنصيبه حاكماً على مملكة عربية مستقلة وواسعة تشمل إلى الحجاز بلاد الشّام والعراق، مقابل إشعاله ثورة عربية ضدّ الدّولة العثمانية، فاستجاب للأمر، صيف العام 1916، طمعاً بهذه السّلطة التي وُعد بها، فأُطلق عليه لقب “قائد الثورة العربية الكبرى”، لكنّ بريطانيا والحلفاء نكثوا بوعدهم، وتبين لاحقاً أنّ هناك إتفاقاً سرّيّاً بين بريطانيا وفرنسا، إتفاق سايكس ـ بيكو، يقضي بتقاسم النفوذ بالمنطقة بين البلدين، تزامناً مع وعد وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور لليهود بإنشاء “وطن قومي” لهم في فلسطين، في العام 1917، ما جعل الشّريف حسين يخسر، بعد نهاية الحرب، ما كان يملكه في الحجاز، وما وُعد به في الشّام والعراق، قبل أن يُمنح أولاده في نهاية المطاف كياناً مصطنعاً، كجائزة ترضية، في شرق الأردن.

بعد مرور ما يزيد عن قرنٍ وعقدٍ من الزمن على تلك الأحداث التي غيّرت وجه المنطقة والعالم بشكل واسع، يبدو وكأنّ الأمور عادت إلى نقطة الصّفر، وأكثر، من غير أن يتغيّر أيّ شيء تقريباً من جوهرها، واقتصار التغيير على الشّكل والأسماء وبعض الملامح الخارجية فقط، وأبقى المنطقة مساحة نفوذ للقوى العالمية وحقل تجارب لها، من غير أن يكون لأهل المنطقة أيّ كلمة أو تأثير في تقرير مصيرهم أو رسم مستقبلهم.

فالحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل قبل شهر، في 28 شباط الماضي، على إيران، لم يكن لأيّ دولة عربية رأيّ أو قرار فيها، لا بل استخدمت القواعد العسكرية الأميركية بأغلب هذه الدول منطلقاً في الهجوم على إيران، وجعل هذه الدول تدفع أثمان حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ما ألحق أضراراً كبيرة ببلادهم، على كلّ الصّعد، لن يستطيعوا تعويضها بسهولة ولا خلال وقت قصير.

وإذا لم يكن لهذه الدول رأيّ أو مشورة أو قرار بهذه الحرب، فمن الطبيعي أن لا يكون لهم أيّ رأي أو مشورة أو قرار بعد انتهاء الحرب، التي ستنتهي مهما طالت سواء إنتصر هذا الطرف أو ذاك، أو إذا تمّ التوصّل إلى تسوية ما ستكون بلا شكّ على حسابهم، بشكل يعيد إحياء تجربة الشّريف حسين مجدّداً لكن هذه المرة بفاجعة أكبر، يكاد يفوق مقولة كارل ماركس الشّهيرة بأنّ “التاريخ يعيد نفسه في المرّة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة”.

فعلى الرّغم من أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تتحدثان منذ سنوات عن انتهاء مفعول إتفاقية سايكس ـ بيكو، وعن ضرورة إعادة رسم خريطة المنطقة بما يتناسب مع مصالحهما تحديداً، فإنّ عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأوّل (إكتوبر) عام 2023 جعلت البلدين يسارعان الخطى في سبيل ذلك، خشية أن يتبع ذلك الطوفان “طوفانات” أخرى ستجرف في طريقها كلّ شيء يعارض مصالح شعوب المنطقة، بعدما لمستا إلى جانب حلفائهم في الشّرق والغرب، أنّ الأرض تشهد تغييراً لافتاً ويقظة لا تصبّ لمصلحة الخارج ولا يحقق أهدافه في السّيطرة على المنطقة ونهب ثرواتها وخيراتها.

إنطلاقاً من ذلك، فإنّ الخطر ليس في الحرب الدّائرة اليوم، وهي خطيرة ومرفوضة حتماً، بل إنّ الخطورة تكمن في المرحلة التي تلي إنتهاء الحرب؛ ففي حين أنّ الغرب (أوروبا وأميركا) وإسرائيل وحلفائهما يضعون الخطط ولديهم أكثر من تصوّر لما بعد الحرب، ومن تقاسم جبنة المنطقة التي ستوضع على مشرح اللاعبين الكبار لتقسيمها وتقاسمها، كما حصل قبل أكثر من 100 سنة ونيّف، يغيب كليّاً أيّ خطّة إستراتيجية أو رؤية تبديها المنطقة، أنظمة وشعوباً، من أجل تجاوز مصيرها الأسود المنتظر، أو القفز فوق خلافاتها التي أنهكتها وعطّلت وتعطّل كلّ خروج من النفق، وتعيق كلّ نهضة.

 

 

 


 

Post Author: SafirAlChamal