رسالة المفتي العام لقارة أستراليا، الشيخ رياض الرفاعي، لمناسبة عيد الفطر المبارك :
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين، سيدِنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛
فالحمدُ للهِ الذي أتمَّ علينا نعمته بإدراك شهر رمضان، ويسَّر لنا صيامه وقيام لياليه، فأفاض علينا من واسع رحماته، وغمرنا بفضله ومكرماته، وحلَّت بنا بركات العشر الأواخر، وليلةُ القدر التي جعلها الله خيراً من ألف شهر.
وما كانت تلك الأيام والليالي المباركة إلا موسماً للتزكية، ومدرسةً إيمانيةً عظيمة، يعود فيها المؤمن إلى أصول دينه ومبادئه الراسخة، التي أراد الله تعالى أن تُبنى عليها شخصيته، فتسمو بها روحه، وتستقيم بها حياته، وتترسخ بها القيم التي تؤهله لحمل أمانة الاستخلاف في الأرض؛ بإقامة أمر الله، وتحكيم شرعه، ونشر الخير والمعروف والإحسان، وبثِّ رسالة الرحمة والسلام بين الناس، ليحيوا في أمنٍ وأمانٍ واستقرار.
لقد كان رمضان ميداناً للتربية والتأهيل، نتعلّم فيه كيف نكون بناةً حقيقيين للحياة والإنسانية، ورجالاً صالحين يحملون همَّ الإصلاح، ويعملون لما فيه خير المجتمع والأمة جمعاء، بل والكون كله؛ فهذه هي الرسالة التي حمّلنا الله أمانتها.
لقد ربّانا الصيام على حقيقة العبودية الخالصة لخالق الأكوان، وعلّمنا أن العبادة لا تكون إلا لله وحده، فهو المعبود بحق، نأتمر بأمره وننتهي عن نهيه، ونوقن أن كل ما نملك إنما هو له سبحانه: أوقاتنا وأموالنا، ليلنا ونهارنا، فنحن رهن أوامره وتحت سلطان شرعه.
لقد جمعنا رمضان ووحّد مشاعرنا، فصرنا نشعر بآلام هذا العالم المكلوم والجريح، الذي يئن تحت وطأة الفقر والجوع والمعاناة، فأعاد إلينا إنسانيتنا التي كادت زحمة الحياة أن تسلخنا منها، وأيقظ في قلوبنا خلق الرحمة الذي لا ينبغي أن يغيب من بيننا؛ فهي مفتاح رحمة الله لعباده. وقد قال نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم:
«الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
ثم جاء العيد هديةً ربانيةً عقب تلك الطاعات المباركة والمبادرات الإيمانية، كأنه بشارة من رب البرية لعباده الصائمين القائمين بأن طاب مسعاكم، وقُبل سعيكم، وفاز من أحسن العمل وأخلص النية.
غير أن العيد ليس لمن لبس الجديد، وإنما العيد لمن خاف يوم الوعيد، وأعدّ لنفسه عملاً صالحاً يعتقه الله به من سخطه، ويدخله في واسع رضوانه.
مضى رمضان، وجاء العيد ليجدد العهد والميثاق مع الله تعالى؛ فبعد أيام الصيام والقيام وتلاوة القرآن والبذل والعطاء، تبدأ أيام الحصاد وجني الثمار، وثمرة ذلك كلّه هي الاستقامة على أمر الله، والسير في مدارج التقوى، لنبلغ منازل الأبرار، ونكون بحق تلك الأمة التي قال الله تعالى فيها:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛
أمةً تحمل رسالة الهداية، فتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الديّان.
لقد كان رمضان رسالةً عظيمةً لمن أراد أن يتدبر ويتفكر؛ كان مدرسةً فريدةً في صناعة الإنسان القرآني. فإن لم نخرج منها ونحن من أهل القرآن، نحمله في قلوبنا قبل أن تنطق به ألسنتنا، وتترجمه جوارحنا سلوكاً وعملاً، حتى نكون مصاحف ناطقة في زمنٍ قلّ فيه من يجسد القرآن قولاً وعملاً وسلوكاً وخلقاً، فحينئذٍ على الدنيا السلام.
لقد علّمنا رمضان معنى الأمة الواحدة، فوحد مشاعرنا وآمالنا وآلامنا، ووحد صيامنا وفطرنا. وما اجتماعنا على موائد الإفطار إلا موعظةٌ بليغة تذكّرنا بضرورة الاجتماع والتآلف، بدءاً من الأسرة الصغيرة، ثم العائلة الكبيرة، حتى تلتقي الأمة كلها صفاً واحداً، فتتحطم تحت أقدامها صخور الاستكبار والجهل والفساد والفرقة.
ومع العيد تتجدد الفرحة؛ فرحة الطاعة والقبول، وإن كانت القلوب يعتصرها الألم لما يعيشه أطفالٌ ونساءٌ وشيوخٌ ورجال في غزة وفلسطين، وفي غيرها من بقاع العالم، حيث نغصت الحروب الظالمة أفراح الناس وأعيادهم، وأدخلتهم في دوامة البازارات والحروب العبثية، المعروفة الأهداف والمقاصد.
ولا يسعنا إلا أن نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء أن يجعل لنا ولهم من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، وأن يكشف الكرب، ويرفع البلاء، ويكفَّ شرَّ الأعداء ومكرهم وعدوانهم، إنه سبحانه على كل شيء قدير.
وكل عام وأنتم بخير، وتقبّل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال .
المفتي العام لأستراليا
الشيخ رياض الرفاعي




