توسعت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لتحمل أبعاداً تتجاوز الإطار العسكري المباشر، إلى ممارسة ضغط سياسي واستراتيجي شامل يضع الدولة اللبنانية أمام خيارات شديدة الحساسية.
التصريحات والممارسات الصادرة عن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بدعم مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، توحي بأن ما يجري ليس مجرد ردّ عسكري على واقع أمني قائم، بل محاولة منهجية لفرض معادلة جديدة على لبنان عنوانها إعادة تشكيل توازناته الداخلية تحت ضغط العدوان الاسرائيلي.
وجاءت الاعتداءات الاسرائيلية على بيروت أمس والتي طالت مناطق: الباشورة وزقاق البلاط والجناح، والعمروسية في الشويفات، فضلا عن إستهداف كلية العلوم الفرع الأول في الجامعة اللبنانية وإستشهاد مديرها وأستاذ معه، تعكس انتقال الضغط الإسرائيلي من استهداف بيئة محددة إلى ممارسة ضغط نفسي وسياسي على الدولة اللبنانية بمجملها.
وهنا تبدو الرسالة واضحة: الحرب لن تبقى محصورة جغرافياً، بل ستطال كل لبنان ما لم تُفرض تحولات سياسية داخلية تتوافق مع الرؤية الإسرائيلية لواقع لبنان الأمني والعسكري والسياسي.
في هذا الاطار، يبدو أن نتنياهو يهدف من خلال هذا المسار إلى وضع لبنان أمام خيارين كلاهما بالغ الخطورة: إما استمرار العدوان الصهيوني بما يحمله من استنزاف اقتصادي وبشري وتدمير للبنى التحتية، أو دفع الدولة نحو مواجهة داخلية عبر تكليف المؤسسة العسكرية بمهمة الاصطدام مع المقاومة وبيئتها، بما قد يؤدي إلى تفكك التوازنات الداخلية وإعادة إنتاج ظروف شبيهة بحقبة الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام ١٩٨٢.
بات واضحا، أن إسرائيل لم تُقم وزنا لكل الإيجابيات التي قدمتها الدولة اللبنانية على مدار ١٥ شهرا من ضمنهم سنة كاملة من عمر حكومة نواف سلام لجهة، الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، وتعاون المقاومة بعدم إطلاق أي طلقة تجاه العدو إفساحا في المجال أمام المساعي الدبلوماسية، ومن ثم قراريّ حصرية السلاح ونشر الجيش في جنوب الليطاني، وإقرار ورقة توم باراك التي تلغي اتفاق وقف الأعمال العدائية والتي أسقطتها إسرائيل بنفسها، فضلا عن تعيين مدني في لجنة الميكانيزم.
كل ذلك كان بهدف إحتواء التصعيد الإسرائيلي الذي تفلت من عقاله بتسجيل أكثر من عشرة آلاف خرق جوا وبرا وبحرا ونحو ٥٠٠ شهيدا و١٥٠٠ جريحا وتدمير ممنهج للقرى والبلدات وتوسيع نقاط الاحتلال، ما أكد أن الضغط الإسرائيلي هدفه فرض وقائع سياسية جديدة وليس الوصول إلى قواسم مشتركة حول اتفاق وقف إطلاق النار.
وقد ترافق ذلك مع تصريحات أميركية واضحة بهذا الخصوص لا سيما من توم باراك وليندسي غراهام اللذان أكدا مرارا أن تسليم سلاح حزب الله غير مرتبط بأي ضمانات من قبل إسرائيل التي ترى ماذا تقرر في هذا الشأن.
كما أن إعلان حكومة سلام مع بداية العدوان الجديد على لبنان استعدادها للذهاب نحو تفاوض مباشر وتشكيل وفد لهذه الغاية لم يقابله أي تجاوب جدي من الجانب الإسرائيلي، ما يؤكد أن الهدف الصهيوني لا يقتصر على معالجة ملف سلاح حزب الله، بل يتعداه إلى إعادة صياغة موقع الدولة اللبنانية ضمن المعادلات الإقليمية.
من هنا، يتبلور مشهد سياسي يوحي بأن الاستراتيجية الإسرائيلية لا تستهدف فقط إضعاف حزب الله كقوة عسكرية مقاوِمة، بل تسعى إلى وضع الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها تحت ضغط دائم قد يقود إلى إضعافها وإخضاع قرارها السياسي للتوجهات الاسرائيلية بما يشكل مدخلا لإعادة تشكيل الحياة السياسية اللبنانية.
لا شك في أن خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في حجم العدوان أو اتساع رقعته، بل في محاولة نقل الصراع من مواجهة العدو إلى انقسام داخلي.
وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام لبنان يتمثل في الحفاظ على تماسكه الداخلي ومنع انزلاق الخلافات السياسية إلى صدامات تهدد العقد الاجتماعي، لأن أي تفكك داخلي قد يحقق لإسرائيل ما عجزت عنه الحروب المباشرة، أي إضعاف الدولة من الداخل وإدخالها في دوامة حرب أهلية طويلة الأمد.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحّة إلى رؤية وطنية جامعة تعيد تعريف الأولويات على أساس حماية الاستقرار الداخلي بالتوازي مع مواجهة الاعتداءات الخارجية، باعتبار أن وحدة الموقف الداخلي كما سبق وأعلن الرئيس نبيه بري تبقى العامل الحاسم في إفشال أي محاولة لوضع لبنان أمام معادلة قسرية عنوانها الاختيار بين حرب إسرائيلية مفتوحة وحرب أهلية.






