لبنان أمام امتحان عقيدة الدولة حتى لا يتحول الى ساحة مستباحة!.. وسام مصطفى

إنه وقت الحقيقة التي بدأت تتجسد بكل أبعادها السياسية والعسكرية وخلفياتها العقائدية لتسفر عن أوجه المخطط الكبير الذي يراد تنفيذه في المنطقة، وأخطر ما فيها الكلام الذي بدأ يتمظهر – إلى جانب النبوءات الدينية التلمودية المتوارثة – على ألسنة المسؤولين الامريكيين في إدارة دونالد ترامب، بأن الحرب على الاسلام بدأت ولن تتوقف حتى يتم القضاء على الشيعة والسنّة وسيادة الهيمنة الغربية الصهيومسيحية، ولبنان ركن رئيسي لا تفصيلي في خارطة التطورات الاقليمية والدولية كونه البوابة الاولى لتنفيذ مشروع “اسرائيل الكبرى” التلمودي.

 

أغلق الحلف الامريكي – الصهيوني الباب على الفصلين الفلسطيني والسوري لينتقل الى لبنان بالتزامن مع التعامل مع المشكلة الايرانية الكأداء مع ما فيها من تعقيدات وتداخلات يُرجّح أن تتدحرج لتدخل في نفق المواجهة العالمية المنتظرة ليعاد تشكيل النظام العالمي الجديد بعدما استنفد وقته منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن هذه المرّة وفق ما تقتضيه مصالح الحائك الامريكي والأنظمة التابعة في المنطقة وفي مقدمتها “إسرائيل”.

 

وما يعنينا في تفاصيل الفسيفساء الدولية المتفجرة هو مصير لبنان الذي لم يجد بعد طريقه الى الاستقرار ويدفع ضريبة تموضعه كنقطة صراع مركزية في سياق المشروع الكوني خصوصاً بعد تجدّد خطر السيناريو المرسوم له منذ سبعينيات القرن الماضي وصولا الى حرب ايلول ٢٠٢٤، وارتفع منسوب هذا الخطر بعدما انتقلت الازمة من مقاومة الاحتلال الى مواجهة الدولة وتحدي قراراتها القاضية بحظر سلاح المقاومة واعتباره خارجا عن القانون فيما يقف الجيش اللبناني في نقطة وسطى حرجة وهو المولج بحفظ السيادة وحماية الوطن وصون حدوده وتحصين أمنه واستقراره الداخلي.

 

إنَّ الأزمة الراهنة تلامس جوهر الصراع الوجودي الذي يعيشه لبنان، حيث لم يعد الصراع مجرد خلاف على حدود أو حصص، بل تحول إلى صراع على “الدور والكيان” ضمن إعادة رسم خارطة المنطقة.

إن لبنان اليوم يقف بين فكي كماشة بين المشروع التوسعي الخارجي الذي يرى في لبنان مجرد ساحة، وبين التآكل البنيوي الداخلي الذي يجعل الدولة جسداً بلا روح. 

ولا بد في هذه الحال من تبنّي مشروع وطني جامع واستراتيجية دفاعية وطنية ترتكز على بناء “عقيدة الدولة” تسمو على التناقضات الطائفية، وتغلّب مفهوم المصلحة الوطنية العليا الغائبة في لبنان مع الأسف.

 

وفي هذا الاطار لا بد من تحقيق المزاوجة بين “القوة” و”الشرعية” في إطار شامل تتكامل فيه الأدوار بدلاً من الصدام الصفري بين سلاح المقاومة وسلطة الدولة، ولا يكون ذلك إلا باعتماد استراتيجية دفاعية وطنية تحتضنها الدولة ويجتمع عليها ألوان الطيف السياسي في لبنان، وتقضي بدعم المؤسسة العسكرية ورفع قدراتها التسليحية واللوجستية، لتكون هي السد المنيع أمام أي أطماع “تلمودية” أو توسعية، مما يسقط حجة غياب الحماية الرسمية.

 

إنَّ مواجهة النظام العالمي الجديد الذي يُحاك للمنطقة لا تأتي بالرهان على الخارج، بل بتمتين الجبهة الداخلية، فإنَّ أخطر ما في المشروع الصهيومسيحي المتطرف هو المراهنة على تفتيت المجتمعات من الداخل (السنة ضد الشيعة، والمسلمون ضد المسيحيين)، وعليه فإن المشروع الوطني الجامع يجب أن يرتكز على أن “لبنان القوي” هو الذي يتحدث لغة واحدة في المحافل الدولية، لغة لا ترى في السلاح عبئاً بل عامل قوة ولا في الدولة ضعفاً إذا كانت عادلة، وهكذا نستطيع تجاوز عقدة الانقسام التقليدي (سلاح المقاومة مقابل سيادة الدولة) باتجاه خلق منظومة دفاعية تجعل من لبنان رقماً صعباً في الحسابات الإقليمية دون أن يكون ساحة مستباحة.

 

وفي هذا الاطار نستحضر مواقف الرئيس نجيب ميقاتي الذي لطالما قارب الواقع اللبناني من منظوره كرجل دولة، وتماهى فيه مع المقاومة بحضورها السياسي والعسكري الداعم لمشروع الدولة وتوافقها مع المواثيق القانونية والاعراف الدولية من جهة، ويمكن إيجاز رؤية الرئيس ميقاتي في ثلاث ركائز أساسية هي:

 – التكامل المؤسساتي: التوفيق بين الوجود السياسي والعسكري للمقاومة وبين سقف القانون الدولي ومواثيق الدولة.

 – المرجعية السيادية: التأكيد على أن قرارات السلم والحرب والملفات الاستراتيجية يجب أن تعود في نهاية المطاف للدولة اللبنانية.

 – الاستقرار الداخلي: طرح “الاستراتيجية الدفاعية” كحل وسط لمنع الانقسام الداخلي وتحصين لبنان ضد الاخطار الخارجية، وفي مقدمتها الاطماع الصهيونية.

Post Author: SafirAlChamal