الإنتخابات بعد خطاب الحريري ليست كما قبله!.. عبدالكافي الصمد

حتّى ما قبل ساعات من إلقاء الرئيس سعد الحريري خطابه في ذكرى اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري، السّبت 14 شباط الجاري، كان نوّاب ومراقبون ومعنيون بالإنتخابات النيابيّة المحدّدة في 15 أيّار المقبل يعكفون على نسج خطوط ترشيحات ورسم خطط تحالفات ولوائح، من غير أن يأتوا على ذكر الحريري وتيّار المستقبل إلّا على أنّهما “بلوكاً” إنتخابياً ـ سنّياً تحديداً ـ يعملون على الإستفادة منه في الإستحقاق المقبل على غرار ما حصل في انتخابات عام 2022، بسبب عزوف الحريري وتيّاره عامها عن خوضها، قبل أن يتسبّب خطاب الحريري، بعد دقائق من إلقائه، في تمزيق أوراق هذه الخطوط والخطط ورميها جانباً.

فقد بات الجميع يُدرك، بعد خطاب الحريري، أنّ أصوات ناخبي تيّار المستقبل لم تعد “فالتة”، وبات لها ثمناً، ومن يريد الحصول عليها مراجعة الحريري للحصول عليها أو بعضها من أجل تجييرها له، أو على أمل تحقيق ذلك، وأنّ التيّار الأزرق وزعيمه قد باتا في صلب أيّ معادلة إنتخابية مقبلة لا يمكن تجاوزها أو القفز من فوقها بسهولة، وأنّ حسابات الربح والخسارة قد باتت مرتبطة مباشرة بشكل رئيسي في هذه المراجعة، خصوصاً في الدّوائر ذات الغالبية السنّية أو في الدوائر التي يوجد فيها أقلية سنّية وازنة يحتاجها أيّ طرف للنجاح في الإنتخابات المقبلة والعبور نحو حجز مقعدٍ ما في مجلس النواب.

موقف الحريري من الإنتخابات الذي كان منتظراً من قبل غالبية الأطراف، وسيبقى محور نقاش لفترة طويلة مقبلة، أبقاه إلى حدّ ما غامضاً، سواء لجهة إعلانه خوضها بشكل مباشر برغم أنّ تلميحاته بخوضها لا تقبل الشّكّ، كما أنّه لم يعلن مرشحيه لها، ولا تحالفاته فيها، عدا عن أنّه أبقى مصير الإنتخابات غامضاً عندما أبدى شكوكه في إجرائها بموعدها المحدّد.

كلّ ذلك جعل مقاربة الإنتخابات النيابيّة بعد خطاب الحريري غيرها ما قبله، وعلى أكثر من صعيد. فالنوّاب والمرشّحون السنّة الذين نجحوا في انتخابات عام 2002 أو خاضوها، تحديداً الذين يدورون في فلك الحريري وتيّاره وأكلوا من صحنه الإنتخابي عامها، سيجدون أنفسهم مجبرين على إعادة حساباتهم بشكل جذري، ذلك لأنّ الفراغ الذي تركه الحريري خلفه بعدما عزف عن خوض الإنتخابات قبل 4 سنوات لن يعود موجوداً في الإنتخابات المقبلة، فالحريري من خلال خطابه عمل على ملء هذا الفراغ، ولو إفتراضياً، حتى قبل أن يُقدم على خوض غمار إستحقاق أيّار المقبل، أو في موعد آخر للإنتخابات إذا ما تأجّلت.

الحريري قال كلمته في الإنتخابات ومشى، وأكّد أنّه عائد إلى السّاحتين السنّية والوطنية ليعيد التوازن إليهما بعد الخلل الذي أصابهما في السّنوات الأربع الماضية، غير أنّ هذا التوازن يبقى مرهوناً في تحقيق أمرين: الأوّل حول ما إذا كان الحريري سيخوض الإنتخابات المقبلة والعمل السّياسي بالأدوات نفسها والأسلوب نفسه والمرشّحين أنفسهم والتحالفات ذاتها، أم سيُبدّلهم ويطرح جانباً من كانوا عبئاً عليه، وتسبّبوا بشكل أو بآخر في وصوله إلى ما وصل إليه؛ والثاني مرتبط بما إذا كان الحريري استفاد فعلاً من تجربة السّنوات الأربع الماضية، وتجارب وأخطاء السّنوات التي قبلها وقام بإجراء مراجعة نقدية لها، أم أنّه سيتجاوز ما جرى وكأنّه لم يحصل، ومن غير أن يأخذ العِبَر منها، ما سيجعل تعثّره مجدّداً في مرحلة مقبلة إحتمالا قائماً بقوّة.

Post Author: SafirAlChamal