يُقال: “تفقّهوا قبل ان تسودوا، فإن أشقى الولاة من شقيت به رعيته”
ان حق تقرير المصير كما نّص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ليس مجرد مبدأ دولي يختص بالاستعمار أو الاحتلال بل يمتد ليكون أساسا لممارسة الشعب لسيادته داخليا عبر المشاركة في صنع القوانين وتحديد السياسات العامة في البلاد..
ففهم تقرير المصير الداخلي كإطار لتطوير التشريعات بما يحترم ارادة الشعب ويضمن خصوصية النظام الوطني اللبناني هو حجر الأساس في ترجمة الحقوق الدولية الى سياسات عملية قابلة للتطبيق وهذا ما يوازن بين الالتزامات الدولية وخصوصية وسيادة لبنان..
ومن هذا المنطلق، يمكن القول ان حق تقرير المصير المنصوص عليه في المعاهدات الدولية المصادق عليها من لبنان يشكل نفس الحجة التي تدعونا الى احترام وتطبيق قوانينا الوطنية، فالحق في ذاته، كالحق في الاضراب الذي يمارسه اليوم موظفو القطاع العام، معترف به دوليا غير ان نطاقه وشروط ممارسته بالاضافة الى القيود المقررة تحدد تشريعيا في لبنان، وعليه فان تنظيم حق الاضراب لا ينبغي ان يفهم بوصفه تراجعا عن الالتزامات الدولية بل ممارسة مشروعة لسيادة الدولة في اطار حقها في تقرير مصيرها الداخلي، فالدولة لا تنكر الحق وانما تحدد شروط ممارسته بما ينسجم مع بنيتها الدستورية وخصوصية مرافقها العامة..
فإخضاع الاضراب لضوابط قانونية ليس انتقاصا من جوهره بل انه تجسيد عملي لحق الدولة في رسم سياستها التشريعية بما يوازن بين الحريات ومتطلبات النظام العام،
لكن الاشكالية الحقيقية اليوم لا تكمن في وجود القيود، بل في كيف يمكن للمشرع اللبناني ضمان تفعيل هذه الحقوق دون تعطيل المرافق العامة أو شلّها؟
لبنان الذي يؤكد التزامه بالمواثيق الدولية يجد نفسه اليوم امام اختبار عملي:
كيف يصون حق الموظف في التعبير عن مطالبه من دون ان يترك المواطن وحيدا امام ابواب الادارات المقفلة؟
وحدها الايام القليلة القادمة تحمل ملامح معالجة اكثر واقعية لهذه الإشكالية، سواء عبر تنظيم اوضح يراعي خصوصية الادارة اللبنانية او عبر حوار جدي يعيد رسم حدود التوازن بين الحق والواجب، فلبنان بطبيعته التوافقية لا يحل ازماته بالغاء الحقوق و لا بتجاهل المرافق، بل ايجاد تسوية تحفظ الكرامة من جهة و تبقي ابواب الدولة مفتوحة من جهة اخرى..
وهنا استذكر واقعة،
يُقال، انه سأل احد الأمراء كونفوشيوس، ما هي العناصر الثلاثة التي تراها ضرورية للحكم؟ فأجاب:
كفاية من الغذاء وكفاية من الجنود وشعب واثق.
فقال الأمير: هب ان هذه العوامل لم تتسن معا؛ ايهما يمكن الاستغناء عنه؟ اجاب: الجنود اولا ثم الطعام، ولكني لا انصح قط بالاستغناء عن ثقة الشعب، فبدونها لا تستطيع حكومة ان تقوم..”
وفي لبنان، كم نحن بحاجة الى اعادة ثقة الشعب بالدولة..
الكاتبة: الدكتورة المحامية رنا الجمل
أمينة سّر الهيئة الوطنية لحقوق الانسان في لبنان.





