ندوة في طرابلس عن الثمن البيئي والصحي لأنشطة شركات الترابة

عقدت ندوة علمية في نقابة المهندسين في طرابلس بعنوان: “الثمن البيئي والصحي لأنشطة شركات الترابة – قراءة علمية وقانونية”، بدعوة من لجنة متابعة أزمة مقالع شركات الترابة. شارك فيها النائبة نجاة صليبا وحاضرت حول “دور شركات الترابة في تلوث الهواء”، والدكتور منذر حمزة متحدثاً عن “الآثار الصحية والبيئية لأنشطة شركات الترابة”، وقدّم الكاتب البيئي حبيب معلوف “رؤية استراتيجية لإدارة قطاع المقالع وإنتاج الإسمنت” وتناولت الدكتورة جوزيان يزبك وضع “شركات الترابة في ميزان القانون”.

حضر الندوة الشيخ الدكتور حسام سباط ممثلاً مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام، النائب السابق رامي فنج، وممثلون عن النائبين كريم كبارة وإيهاب مطر، رئيس بلدية النخلة جمال الأيوبي، رئيس بلدية طرابلس السابق أحمد قمر الدين، عضو مجلس بلدية طرابلس الدكتور باسم عساف، رئيس جامعة طرابلس الدكتور رأفت ميقاتي، اللواء محمد خير، رئيس جمعية اللجان الأهلية سمير الحاج، المحامي مصطفى عجم والدكتور بديع مطر رئيس جمعية حراس المدينة، وحشد من الناشطين والمهتمين بشؤون البيئة والصحة والمجتمع.

كبارة

أدار الندوة وقدّمها المهندس الدكتور ربيع كبارة الذي رحّب بالمشاركين والحضور من “قلب الشمال المنسي ومن طرابلس الثكلى التي تفجع يوما بعد يوم بفقدان عائلة من ابنائها او طفلة من زهراتها نتيجة سنوات من الاهمال والتسيب والفوضى والجهل، وحيث اصبح الشمال (مركز القلب) يعاني من ازمات متتالية وكأنّه لم يكفه الحرمان الممتد على سنوات طويلة ولا جولات القتال العبثية المتتالية، وآخرها تلك المباني المتهاوية  التي اقلّ ما يمكن وصفها بالمقابر الجماعية التي  تظهر للعلن يوما بعد يوم”.

وأضاف: “وكأنّ كل هذا الاسى والظلم لم يكفِ وكأن القلة الباقية التي افلتت من براثن الموت الفوري والتي قرّرت البقاء والمقاومة للاستمرار في ارض الاجداد فوجدت نفسها فريسة للموت البطيء والمؤلم ولعذابات الامراض الصدرية والربو والسرطان، فمن سلم من جولات الحرب وافخاخ البناء الملغوم تحول ضحية الى جشع وطمع مصانع الاسمنت والترابة، تلك المصانع التي بدأت منذ عشرات السنين بالنهش: نهش الحجر ونهش البشر، نهش البيئة ونهش الطبيعة، تدنيس المياه وتدنيس الحياة حتى تحولت وحشاً ضارياً يتغذى على صحة لبنان واللبنانيين ويلبس رداء تنكريا باسم الصناعة وفرص العمل، ولأننا جميعا هنا مؤمنون بحقنا بالحياة وبحقنا ببيئة سليمة وبحقنا بصحة وفيرة ولأننا لا نهاب مواجهة الباطل ولا المافيات ولا الكارتيلات ولا الفساد السياسي ولا الجشع المادي، اتينا جميعا لنرفع الصوت ولنكشف للجميع حقيقة الثمن البيئي والصحي لانشطة شركات الترابة ليس على الكورة وطبيعتها واهلها فحسب بل على الشمال و لبنان برمته”.

لجنة المتابعة

ألقى كلمة لجنة متابعة أزمة مقالع شركات الترابة البيئي جورج العيناتي الذي تحدث باسم  اقرباء شهداء مجزرة السرطان التي ارتكبتها شركات الترابة في الكورة والشمال فقال: “اتوجه الى عقولكم النيرة وضمائركم الحية، بعد ان دمرت شركات الترابة جبال شكا وحامات وكفرحزير وبدبهون وبعد ان اغتالت واصابت الالاف بامراض صناعة الاسمنت الخطيرة فاصبحت الوفاة بالسرطان في القرى المحيطة بهذه الشركات وفي سائر قرى الشمال امرا يوميا عاديا بينما اصبحت الوفاة العادية امرا نادرا، بعد ان دفنت اخطر النفايات الصناعية في الوديان الكورانية بعد تدميرها والقضاء على ينابيعها وشلالاتها ومطاحنها ومعالمها الحضارية والانسانية، لهذا ولعشرات الاسباب الصحية والبيئية والاقتصادية، فان الحل البديل هو السماح باستيراد الاسمنت والغاء الرسوم المشجعة على الاحتكار المفروضة عليه كما فعلت سوريا التي استوردت عام 25 عشرين مليون طن من الاسمنت وعشرة ملايين طن من الكلينكر كما بلغنا من تركيا ومصر والاردن والسعودية”.

وأضاف العيناتي: “اما لبنان فلا زال تحت رحمة سياسيين فاسدين تحولوا الى شركاء في الشركات المحتكرة التي تبيعنا طن الاسمنت مغشوشا ملوثا باغلى ثمن في العالم مع فاتورة مرتفعة جدا هي شهيد او مصاب بالسرطان او امراض القلب او الربو مع كل شروق شمس ومليون دولار من كلفة الدمار البيئي والتغير المناخي والتدهور الزراعي مقابل كل طن اسمنت”.

وكشف العيناتي أنّ “محاولة اعادة عمل مقالع مصانع الاسمنت ليست من اجل اعادة اعمار لبنان كما يزعمون بل من اجل تهريب الاسمنت الى سوريا واليكم الدليل: محضر اجتماع الجانبين اللبناني والسوري امس في مركز جمارك المصنع الذي تضمّن استثناء المواد الاتية من الية المناقلة ويمكن دخولها دون تفريغ وهي: المواد المعبئة ضمن صهاريج، الاسمنت الدوكما، المواد الاولية لصناعة الاسمنت، ما يثبت ما بلغنا من ان كميات ضخمة من الاسمنت تدخل بشكل يومي من لبنان الى سوريا”.

وحذّر من “اعطاء اي مهل لاعادة عمل هذه المقالع الخارجة على القانون  وندعو الى استيراد الاسمنت والغاء الرسوم الىمفروضة عليه تزامنا مع استمرار استيراد الكلينكر كما تفعل سوريا”، داعياً الى “الزام شركات الترابة بدفع رسوم تشويه البيئة البالغة مئات ملايين الدولارات الواردة في قرار الحكومة الحالية رقم3 ومبالغ مماثلة من الرسوم البلدية التي تهربت من دفعها، والى انزال سعر طن الاسمنت الى النصف ومنع غش الاسمنت بالتراب الابيض وتلويثه برماد الفحم الحجري والبترولي والى الزام شركات الترابة بنبش وترحيل النفايات الصناعية السامة التي دفنتها في كفرحزير وبدبهون وسواهما والى الزامها بالتعويض على اسر ضحايا مجزرة السرطان وامراض القلب والربو في القرى المحيطة بها”.

كما دعا العيناتي الى نقل مصانع الاسمنت ومقالعها الى سلسلة جبال لبنان الشرقية والى منع استخدام الفحم الحجري والبترولي على جميع الاراضي اللبنانية والى تعيين محقق عدلي دولي للتحقيق في جرائم الابادة الجماعية والدمار الشامل التي ارتكبها اصحاب هذه الشركات والقيمين عليها”.

وختم بالتأكيد أنّ “اعادة عمل مقالع الترابة يعني اعادة عمل افران الفحم الحجري والبترولي ويعني ان البواخر التي نشاهدها في خليج شكا محملة بالكلينكر المستورد من صحراء سيناء  ستتحول الى بواخر تحمل نفايات الفحم الحجري والبترولي لتقتل من تبقى حيا في الكورة والشمال ولن نسمح بذلك ايا يكن الثمن”.

صليبا

ورفضت النائبة صليبا في مداخلتها ثقافة “المعليش” التي تسببت في خراب البلد، وما جرى ويجري في ملف المقالع وشركات الترابة هو أبشع نموذج لهذه الثقافة التي أنتجت مآس بيئية وإنسانية، وأوضحت أنّ الهواء الملوث هو قاتل صامت حيث يمكن أن يحمل ملوِّثات خطرة تسبّب أمراضاً مميتة منها السرطان، وصولاً إلى تهجير السكان”.

وأكدت أنّ “خطورة مقالع شركات الترابة في كفرحزير وبدبهون تكمن في أنّها عرّضت السكان بشكل مستمرّ ومتواصل ولعقود طويلة لمخاطر مواد مسرطِنة تنشّقها الأهالي رغماً عنهم”، موضحة “أنّه خلال تحويل الحجر الجيري والطين إلى مواد أولية ناعمة ينتج عن ذلك انبعاث جُسيمات دقيقة جداً وكلّما كان حجمها صغيراً بالميكرومتر، كلما تغلغلت في عمق الرئة ومنها تعبر إلى الدم للتّسبّب بالأمراض الخطرة”.

وعرضت صليبا صوراً جوية كشفت هول الكارثة البيئية التي حلّت ببدبهون وكفرحزير وكيف جرت عمليات الجرف الجائر خلال سنوات حتى أصبحت المنطقة منكوبة بكل معنى الكلمة.

وختمت بالدعوة إلى “احترام القوانين وإيقاف المجازر البيئية في لبنان لأنّ الاستمرار بهذا النهج القائم سيكون مدمِّراً للبنان ولحياة اللبنانيين”.

حمزة

وتحدث البروفيسور الدكتور منذر حمزة عن التأثير الصحي لصناعة الإسمنت ومقالعها على الإنسان فأوضح أنّ الجسيمات الدقيقة ( PM10 – PM2.5 ) تدخل إلى الجهاز التنفسي العلوي والعميق وتسبب التهاب القصبات المزمن وتفاقم الربو وضيق التنفس وانخفاض وظائف الرئة، موضحاً أنّ “التعرض الطويل لهذه الانبعاثات قد يرتبط بزيادة خطر أمراض الانسداد الرئوي المزمن (COPD/BPCO) وسرطان الرئة L’ASTHME، مؤكداً أنّ “الجسيمات الدقيقة تعتبر من أخطر الملوثات لأنها تصل إلى الحويصلات الرئوية وقد تعبر إلى مجرى الدم”.

وكشف أنّ “لبنان سجّل في العام 2018 نحو 17,000 إصابة جديدة بالسرطان ونحو 9,000 وفاة ما يجعله في المرتبة الأولى بين دول غرب آسيا في عدد الإصابات قياساً لعدد السكان وفي المرتبة الثالثة في تصنيف الوفيات قياساً لعدد السكان”.

وأوضح حمزة أنّ “قيام وزارة البيئة بنقل طلب شركات الترابة العودة للجرف تحت ستار التأهيل الاستثماري من المجلس الوطني للمقالع والكسارات صاحب الصلاحية قانوناً إلى مجلس الوزراء كان مخالفة خطيرة للقانون؛ وكان المفترض ان لا يقبل مجلس الوزراء البت بموضوع ليس ضمن صلاحياتة”.

وطالب ب”تشكيل خلية أزمة قوامها وزارة الصحة، وزارة البيئة، مع خبراء متخصصين لوضع خطة وطنية للتحكم بالوضع البيئي الخطِر في لبنان”، مؤكدا  أنّ “شركات الترابة هي من اخطر الملوثين وقد تسببت بكوارث بيئية وانسانية لا تغتفر، ويأتي البعض ليرفع شعار الاقتصاد الوطني”، سائلاً: “ما هذا المنطق الغريب، اي اقتصاد هذا الذي يدمر الطبيعة ويمرض الناس ويُحَمِّلُ خزينة الدولة كلفة العلاج دون ان ننسى آلام المرضى وأحزان فقدان الأهل والأبناء”.

معلوف

وأوضح الكاتب والصحافي المتابع لقضايا المناخ والبيئة حبيب معلوف أنّ “شركات الترابة تعمل ضمن سوق محلي محمي بقرار منذ العام 1993 يمنع استيراد الترابة دون إجازة مسبقة من وزارة الصناعة، ويُباع طنّ الترابة في السوق اللبنانية بـ 85 دولارا تستوفي وزارة الالمالية رسماً على الإنتاج عن كل طنّ 267000 ليرة لبنانية (3 $) وضريبة القيمة المضافة 11 % عن سعر البيع، بينما يُباع طنّ الترابة في الدول المجاورة مثل تركيا ومصر بنصف السعر في لبنان مع كلفة النقل”، متسائلاً “من يأخذ ثمن فارق السعر؟”.

ودعا الى التقييم البيئي الاستراتيجي للقطاع عبر السماح باستيراد الترابة ومنع تصديرها، موضحاً أنّ “استراتيجية إدارة هذا القطاع يجب أن تأخذ في الاعتبار ثلاثة عوامل: السُّميّة البشرية والأثر على الصحة، والضرر الأيوكولوجي للأنظمة واستخدام موارد غير متجدِّدة، كالصخور أو الرمول التي تُعتبر ركيزة أساسية للمناخ وتخزين المياه الجوفية”، مشدّدا على “استخدام البدائل مثل الردميات”، ومؤكداً أنّ “شركات الترابة هي الأكثر تسبّباً في تغيير المناخ”.

يزبك

وتناولت بزيك في كلمتها احتكار القلة في قطاع الإسمنت اللبناني بحيث تستحوذ شركة هولسيم على 38 % والشركة الوطنية للإسمنت على 44% و”إسمنت سبلين” على 18 % من حصة السوق، وتمتلك الشركات الثلاث التراخيض العامة الوحيدة الصادرة عن وزارة الصناعة وقد تعزّز موقعها بفرض رسوم جمركية قد تصل إلى 75 % على الاسمنت المستورد.

وأوضحت الآثار القانونية والعقوبات الناتجة للاستثمار غير المشروع، والتي تشمل الاستثمار بدون ترخيص ومخالفة الشروط وعرقلة الرقابة ومنع الحصول على تراخيص جديدة في حال وجود ملاحقات قضائية، وتناولت الإشكالية القائمة بسبب اتخاذ مجلس الوزراء في 29 أيار 2024 قراراً بتمديد التراخيص على الرغم من الإلغاءات القضائية لها، الأمر الذي أوجد تناقضاً بين السلطتين القضائية والتنفيذية مما يُضعف سيادة القانون ويخلق حالة من عدم اليقين القانوني وهي حالة تضرّ جميع الأطراف الفاعلة بمن فيهم الصناعيين أنفسهم لأنّ هذا الوضع يعرّض التخطيط طويل الأجل للخطر”.

كما تحدثت يزبك عن تلوث المياه الجوفية فكشفت عن اختفاء ما لا يقل عن خمسة عشر نبع ماء في بدبهون وكفرحزير بسبب التجريف، وهذا يشكل ضرراً بيئياً في غاية الخطورة.

وحذّرت من أنّ “الرماد الناتج من احتراق الفحم والبتروكوك يحتوي على تركيزات ملحوظة من المعادن الثقيلة والمركبات العامة وتخضع إدارته لنظام النفايات الخطرة وفقا لاتفاقية بازل التي يصنف ملحقها الثاني رماد الحريق ضمن النفايات التي تستلزم فحصاً خاصاً، وأكّدت أنّ دفن هذه المخلفات بالقرب من المناطق السكنية إذا جرى دون نظام احتواء مطابق للمعايير الدولية، يشكل قانونياً عملية تخزين نهائي من النوع D 1 غير مرخصة وفي القانون الداخلي تنص المادة ٥٢ من القانون 444/2002 على أن لوزارة البيئة أن تأمر بتدابير إزالة الضرر على نفقة السؤول، فيما تجيز المادة 17 وقف الرخصة”.

وأوصت يزبك بالآتي:

أولاً:  تفعيل الصندوق الوطني للبيئة المنصوص عليه في القانون 444/2002 والذي لم يوضع موضع التنفيذ قط لتمويل إعادة تأهيل المواقع المتضرِّرة والرصد المستقل.

ثانياً:  إنشاء نظام رصد بيئي متواصل وشفاف للإبعاثات الجوية ونوعية المياه الجوفية وإدارة المخلفات، مع بيانات متاحة للجمهور آنياً.

ثالثاً: تسوية التناقض الإداري بمواءمة قرارات السلطة التنفيذية مع اجتهاد مجلس شورى الدولة، بغية استعادة الأمان القانون الذي لا غنى عنه للسكان والمستثمرين على حدٍّ سواء.


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal