أطلّ تلفزيون لبنان بمبادرة وطنية استثنائية حملت في طياتها رسالة تضامن ووفاء لمدينة طرابلس، مدينة العلم والعلماء التي طالما دفعت أثمان الإهمال والحرمان.
حلقة خاصة تمّ إعدادها على عجل، لكنّها جاءت بحجم الوجع والمسؤولية، بمبادرة من رئيسة مجلس إدارة تلفزيون لبنان الدكتورة أليسار النداف، وقدّمها الإعلامي الزميل وليد عبود، الذي أحسن إدارة حوار وطني جامع حول معاناة الفيحاء، وإستضافها معرض رشيد كرامي الدولي الذي حرص رئيس مجلس إدارته المدير العام الدكتور هاني الشعراني على توفير كل الامكانات المطلوبة لانجاح هذا الحدث الإعلامي الانساني.
الحلقة لم تكن مجرد مساحة إعلامية عابرة، بل منصة صادقة نقلت صوت الناس، واستضافت نخبة من المجتمع الطرابلسي الذين عرضوا واقع المدينة وقدراتها الهائلة التي لم تستثمر من مرفأ ومعرض ومصفاة ومنطقة إقتصادية ومطار، فضلا عن الملف الأساس المتعلق بأزمة الأبنية المتصدعة والآيلة للسقوط، في أحياء التبانة، القبة، السويقة، جبل محسن، ضهر المغر، الزاهرية والأسواق القديمة، هذه المناطق التي تعوم معظم أبنيتها فوق بحيرات من المياه تنخر الأساسات، في مشهدٍ يلخص سنوات طويلة من الإهمال المتراكم والحرمان المزمن، نتيجة عدم وصول قطار الإنماء الى المدينة، ووعود سياسية كثيرة كانت مجرد عناوين إنتخابية، وقانون إيجارات جائر دفع المالك إلى إهمال ملكه ومنع المستأجر من الترميم والتأهيل.
النقاش في الحلقة لم يقتصر على توصيف المأساة، بل تناول سبل المعالجة وضرورة ترجمة قرارات رئيس الحكومة نواف سلام إلى خطوات تنفيذية سريعة، شفافة وعادلة تنقذ ما يمكن إنقاذه، وتمنح الأهالي شعوراً بأن الدولة لا تزال حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية.
الحدث الأبرز في الحلقة كان فتح باب التبرعات دعماً للأهالي المتضررين، في خطوة أعادت إلى الأذهان معنى التكافل الوطني الحقيقي. وخلال وقت قصير، جُمِع نحو مليون وأربعمئة ألف دولار أميركي، على أن تستمر الحملة حتى الأربعاء المقبل لتأمين أكبر مبلغ ممكن أن يساهم إلى جانب المبالغ التي تم تحويلها إلى الهيئة العليا للاغاثة في معالجة أوضاع الأبنية المهددة ويخفف من معاناة المنكوبين.
المشهد الإنساني الذي رافق الحملة كان مؤثراً بامتياز، فالتبرعات بدأت من “فلس الأرملة” ووصلت إلى مليون دولار من متبرع كريم، في صورة تختصر مدينة تسكن قلوب أبنائها، ولم يقتصر الدعم على الداخل، بل حضرت طرابلس بقوة في وجدان كل المناطق اللبنانية والمغتربين من كندا وأميركا وأستراليا، الذين تسابقوا إلى الاتصال وتقديم المساهمات، مؤكدين أن المسافات لا تُلغي الانتماء، وأن الفيحاء أكبر من حدود الجغرافيا.
تلفزيون لبنان تحول أمس إلى خلية نحل لإنجاح هذه الحلقة الاستثنائية من برنامج “مع وليد عبود” سواء من الفريق التقني والفني الذي عمل بحرفية في المعرض أو من الزملاء والزميلات الذين سهروا حتى منتصف الليل في تلة الخياط لاستقبال إتصالات المتبرعين، وقد أثبت من خلال هذه المبادرة أنه ليس مجرد شاشة رسمية، بل منبر وطني قادر على جمع اللبنانيين حول قضية إنسانية جامعة، كما أكد المتبرعون أفراداً ومؤسسات أن روح التضامن لا تزال حيّة، وأن طرابلس ليست وحيدة في محنتها.
هي مبادرة تستحق الإشادة والتقدير، ليس فقط لأنها جمعت مبلغاً مالياً كبيراً، بل لأنها سلطت الضوء على أزمة ملحّة، وأعادت الأمل إلى مدينة تستحق الحياة الكريمة.
هي خطوة أولى في مسار طويل، لكنها خطوة تؤكد أن حين تتلاقى الإرادة الإعلامية مع الحس الوطني، يمكن تحويل الألم إلى أمل، والمحنة إلى منحة، والمعاناة إلى فرصة للتكاتف وإعادة البناء.






