طرابلس تنهار… الدولة تتفرج: جريمة إهمال مكتملة الأركان!.. صبحية دريعي

تتحوّل طرابلس، شيئًا فشيئًا، إلى مدينة منكوبة بكل ما للكلمة من معنى، لا بفعل زلزال طبيعي أو حرب مفاجئة، بل نتيجة إهمال مزمن، وتراكم سنوات طويلة من التقصير الرسمي واللامبالاة السياسية. 

 

سلسلة الانهيارات المتتالية للمباني السكنية لم تعد أحداثًا طارئة، بل باتت مشهدًا يوميًا اعتياديًا في مدينة تُترك لمصيرها، وكان آخرها أمس، حيث أسفر انهيار جديد عن عشرات الضحايا بين شهيد وجريح ومفقود، في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع، وسط سباق مع الوقت بين فرق الإنقاذ وعتمة الركام.

 

مشهد أمس ليس استثناءً، بل تكرارًا مأساويًا لواقع يعرفه أبناء طرابلس جيدًا: أبنية قديمة، متشققة، آيلة للسقوط، يسكنها فقراء لا يملكون خيار المغادرة، في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وغياب أي بدائل سكنية وغياب الدولة نفسها.

 

في مدينة يُفترض أنها الثانية في لبنان، يعيش الناس داخل قنابل إسمنتية موقوتة. جدران متآكلة، أسقف تهبط ببطء، تشققات تُبلّغ عنها منذ سنوات، كتب رسمية وتقارير هندسية تُرفع، استغاثات تُطلق، لكن لا أحد يرد لا خطة، لا تمويل، لا تدخل، لا حتى إخلاء وقائي. فقط انتظار الكارثة… ثم عدّ الضحايا.

 

وفي تطور بالغ الدلالة، أعلنت بلدية طرابلس وضع استقالتها في عهدة الحكومة اللبنانية، في خطوة احتجاجية تعبّر عن عجزها الكامل أمام حجم الكارثة، وتحميلها الدولة المركزية المسؤولية المباشرة عمّا وصلت إليه المدينة، في ظل نقص التمويل، وانعدام الصلاحيات، وغياب أي سياسة وطنية لمعالجة ملف الأبنية المهددة بالسقوط.

 

وبحسب معطيات بلدية وهندسية، فإن مئات المباني في طرابلس مصنّفة خطرة إنشائيًا، فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن العدد الفعلي قد يصل إلى آلاف المباني، خصوصًا في الأحياء الشعبية المكتظة حيث الفقر يضاعف الخطر، ويجعل السكان أسرى بيوت يعرفون أنها قد تقتلهم في أي لحظة.

 

وعلى مقربة من موقع الانهيار، تقف أم أحمد، إحدى ساكنات المبنى المنهار، ووجهها مغطّى بالغبار والدموع، تقول بصوت مكسور:

“قلنا لهم مية مرة إنو البيت عم يتشقق، قلنا إنو السقف عم ينزل، ما حدا سمعنا. اليوم دفنوا ولادي تحت الحجر، وما حدا سائل”.

 

كلام أم أحمد ليس شهادة فردية، بل اتهام مباشر لدولة بأكملها، وحالها كحال مئات الأمهات في طرابلس: يصرخن قبل الكارثة فلا يُسمعن، وبعدها لا يجدن إلا الركام والتعازي والكاميرات.

 

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا حصل؟ بل كم مرّة ستدفع طرابلس الثمن؟ كم بيتًا يجب أن يسقط؟ كم طفلًا يجب أن يُدفن؟ كم عائلة يجب أن تُشرّد، حتى تتحرّك الدولة؟

 

من المسؤول ومن يحاسب من يوقّع تقارير الخطر ثم يترك الناس داخلها؟ حتى اللحظة فقط وعود، لجان، بيانات، وخطط تبقى على الورق. كأن طرابلس ليست مدينة لبنانية كاملة الحقوق، بل مساحة منسية يُسمح لها أن تنهار ببطء.

 

ما يحصل في طرابلس ليس قضاءً وقدرًا هو جريمة إهمال موصوفة جريمة مكتملة الأركان، ضحاياها الفقراء فقط، ومرتكبوها نظام كامل يتقن إدارة الكوارث بعد وقوعها… ويجيد تجاهلها قبل ذلك!..

Post Author: SafirAlChamal