أثار النائب وليد البعريني موجة واسعة من الاستنكار عقب تصريحه الذي قال فيه إنه يريد “لائحة عكارية بإمتياز، لا تيار ولا عونية”. عبارة أراد منها رسم حدود الوطنية على مقاسه، فإذا بالعونية والقوات، وهما مكوّنان أساسيان في عكار، يُفهَمان ضمناً على أنهما خارج “الهوية العكارية”! وكأن الوطنية صارت وجهة نظر، والإنتماء لعكار يحدّده النائب حسب مزاجه وظرفه السياسي.
وحين وجد البعريني نفسه في مأزق إعلامي، حاول تدارك الموقف بجملة لا تقل فجاجة: “أنا بدي الصوت الوطني العكاري”. وكأنه بات المرجعية الوحيدة لفهم الوطنية وتحديد من يحق له أن يُعدّ عكاريًا. المفارقة أن هذه العقلية الإقصائية تعيدنا إلى زمن ما قبل الدولة، حيث الولاء الشخصي يعلو على الدستور، والانتماء للعشيرة يتقدم على الميثاق.
تصريحات البعريني، التي تعبّر عن سطحية سياسية لا تُخفى، تتنافى مع أبسط قواعد العمل السياسي المعاصر، حيث يُفترض أن تكون الأحزاب أداة لتنظيم الحياة العامة، لا تهمة تُستخدم للإقصاء أو التلميح بعدم الانتماء. كل التجارب الديموقراطية المحترمة تُبنى على التعددية الحزبية.
أما الأكثر إثارة للسخرية فهو أن من ينصّب نفسه حارسًا للوطنية وناطقًا باسم عكار، يتناسى أو بالأحرى يتجاهل عمدًا أن تاريخ عائلته السياسي كان مرتبطًا لعقود طويلة بالنظام السوري، في زمن الوصاية، ثم، وبقدرة قادر، انتقل البعريني إلى المعسكر الحريري عام 2018، وركب موجة “تيار المستقبل” فحصد 21 ألف صوت. لكن الأرقام لا تكذب، إذ سرعان ما تراجعت شعبيته إلى النصف في انتخابات 2022، حيث لم يتجاوز الـ11 ألف صوت. فهل هذا الانحدار الشعبي هو أيضًا “عكاري بإمتياز”؟
اللافت أن البعريني لا يكتفي بالوقوع في زلّة لسان، بل يتنقّل بتصريحاته من كارثة إلى أخرى: تارةً مع التطبيع، وتارةً أخرى مع الانضمام إلى حلف الناتو، واليوم مع توزيع شهادات الهوية العكارية. فيضيف بتصريحاته إلى المشهد اللبناني جرعة إضافية من العبث.
وإذا أراد البعريني أن يرفع شعار “الصوت العكاري”، فهل يعني أن كل من لا يتماشى مع خطّه هو غير وطني؟ وهل المطلوب من أبناء عكار أن يُغيّروا قناعاتهم السياسية ليرضى عنهم سعادة النائب؟ وما هو موقفه من مسيحيي عكار، الذين يشكّلون جزءًا أصيلًا من النسيج العكاري، وينتمون بغالبيتهم إما للتيار الوطني الحر أو القوات اللبنانية؟ هل يطلب منهم إعادة النظر بانتمائهم الطائفي والسياسي ليستحقوا “الهوية” من وجهة نظره؟
كلام البعريني يوحي أننا أمام نائب طارئ يتعامل مع الحياة السياسية كأنها ملكية خاصة، يحدّد فيها من هو “عكاري” ومن لا يستحق الهوية.
فليتذكّر البعريني أن الوطنية لا تُقاس بتصريحات استعراضية، ولا تُختصر بشعارات إلغائية، ولا تُحتكر بمنطق “نحن فقط”.
عكار أكبر من خطاب إقصائي، وأشرف من أن تُختزل بلائحة فردية تبحث عن مجد زائل على أنقاض الشراكة والعيش المشترك.
الكاتبة: تانيا خوري
ناشطة وباحثة سياسية
Related Posts






