لبنان والعرب (4)العراق.. الأخ العربي التاريخي!.. د. عاصم عبد الرحمن

يتميّز الشعب العراقي بقيمٍ عميقة ومتجذّرة في تاريخه الممتد آلاف السنين، فهو شعب الحضارة الأولى، وموطن الكتابة والقانون، وملتقى العروبة والإسلام، من أبرز سماته الصبر والكرامة والشجاعة وحبّ الحياة رغم قسوة المحن.

العراقيون معروفون بوفائهم، واعتزازهم بهويتهم العربية، واستعدادهم الدائم للتضحية من أجل أوطانهم وأمتهم. هذه الصفات جعلت من العراق، رغم جراحه المتراكمة، ركيزةً أساسية في الجسد العربي، وأخًا تاريخيًا حمل همّ الأمة كما حملت هي همّه.

على مرّ التاريخ الحديث، لم يكن العراق دولة منغلقة على ذاتها، بل شكّل أحد أعمدة النظام العربي سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا. ورغم الحروب المتلاحقة، والحصار الطويل، ثم الاحتلال، بقي العراق حاضرًا في الوجدان العربي، ومدافعًا عن القضايا المصيرية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، ومساهمًا في حفظ التوازن العربي في مراحل مفصلية من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.

الدور العراقي في المحيط العربي

امتد تأثير العراق ليشمل مختلف الساحات العربية، انطلاقًا من موقعه الجغرافي وثقله السكاني والتاريخي:

1. الدور السياسي والقومي

كان العراق من أوائل الدول العربية الداعمة للفكر القومي العربي، وشارك بفاعلية في تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945. ومنذ ثورة 14 تموز 1958، تبنّى العراق خطابًا وحدويًا واضحًا، داعمًا لحركات التحرر العربية، ومؤكدًا أن الأمن القومي العراقي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.

2. العراق وسوريا: مشروع الوحدة العربية

شكّلت العلاقة العراقية – السورية أحد أبرز تجليات الفكر الوحدوي العربي. ففي عام 1958 أُعلن عن قيام الاتحاد بين الدولتين حملت اسم الجمهورية العربية المتحدة، في محاولة جادة لإقامة نواة وحدة عربية مشرقيّة. ورغم تعثّر المشروع في عام 1961 لأسباب سياسية وإقليمية معقّدة، إلا أن تلك التجربة عكست إيمان العراق العميق بالوحدة العربية كخيار استراتيجي، لا كشعار ظرفي، ورسّخت في الوعي العربي أن بغداد ودمشق كانتا في قلب المشروع القومي الواحد.

3. الدعم العسكري والأمني

شارك العراق عسكريًا في الحروب العربية-الإسرائيلية، لا سيما أعوام 1948 و1967 و1973، حيث قاتلت وحدات عراقية على الجبهتين الأردنية والسورية، وامتزج الدم العراقي بدماء الأشقاء دفاعًا عن الأرض العربية. كما قدّم العراق دعمًا عسكريًا ولوجستيًا لعدد من الدول العربية، انطلاقًا من عقيدة تعتبر الدفاع عن الأمة واجبًا تاريخيًا.

4. الدور الاقتصادي

قبل الحروب والحصار، كان العراق من أقوى الاقتصادات العربية. ففي أواخر السبعينيات، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي العراقي 70 مليار دولار، وبلغ متوسط دخل الفرد أكثر من 4,000 دولار سنويًا، وهو من الأعلى عربيًا في ذلك الوقت.

ساهم العراق في دعم دول عربية بالنفط والمساعدات المالية، وقدّم تسهيلات نفطية وقروضًا ميسّرة لدول عربية خلال أزمات اقتصادية حادة، كما شكّل سوقًا رئيسيًا للعمالة العربية، وأسهم في تنشيط التجارة البينية العربية لعقود.

5. الدور الثقافي والتنموي

في المجال الاجتماعي، حقق العراق إنجازات لافتة، خصوصًا في التعليم. ففي عهد الرئيس صدام حسين، أطلق العراق حملات وطنية شاملة لمحو الأمية، أبرزها حملة عام 1978، التي أدت إلى خفض نسبة الأمية من أكثر من 50% في أوائل السبعينيات إلى أقل من 10% بنهاية الثمانينيات، لتُعلن اليونسكو في عام 1982 إشادتها بالتجربة العراقية في التعليم الإلزامي ومحو الأمية.

كما كان التعليم مجانيًا على جميع المستويات، والرعاية الصحية متاحة بشكل واسع، ما جعل العراق نموذجًا لدولة الرفاه الاجتماعي في العالم العربي قبل الحصار.

السياق التاريخي لمعاناة العراق

منذ ثمانينيات القرن الماضي، دخل العراق مرحلة استنزاف قاسية، بدأت بالحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988)، ثم حرب الخليج عام 1991، تلاها حصار اقتصادي خانق استمر أكثر من 13 عامًا، كلّف العراق مئات المليارات من الدولارات، وأدّى إلى تدهور البنية التحتية ومستوى المعيشة.

وجاء احتلال عام 2003 ليشكّل نقطة الانكسار الكبرى، حيث انهارت مؤسسات الدولة، وتصاعدت الانقسامات الداخلية، وفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية.

ومع ذلك، لم ينكفئ العراق عن محيطه العربي. فبعد عام 2003، ورغم هشاشة الدولة، سعى إلى استعادة توازنه العربي، والعودة إلى لعب دور إيجابي في النظام الإقليمي، مؤكدًا أن عمقه الطبيعي هو العالم العربي، وأن استقراره لا يتحقق إلا ضمن شراكة عربية حقيقية.

فلسطين: القضية العراقية الأم

شكّلت فلسطين قضية مركزية في الوجدان العراقي، شعبًا ودولة:

1. الدعم السياسي:

كان العراق من أكثر الدول العربية رفضًا لمشاريع التصفية، ومدافعًا صلبًا عن حق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

2. الدعم المالي والإنساني:

قدّم العراق دعمًا ماليًا مباشرًا لعائلات الشهداء الفلسطينيين، وساهم في دعم صمود الفلسطينيين خلال الانتفاضات، رغم ظروفه الاقتصادية الصعبة.

3. الدعم المعنوي:

بقي الخطاب العراقي يعتبر فلسطين بوصلة الصراع في المنطقة، ومعيارًا لصدق الانتماء العربي.

العراق ولبنان: تقاطع الألم والمصير

يشترك العراق ولبنان في تجربة المعاناة من الحروب، والانقسامات، والتدخلات الخارجية:

1. العلاقات السياسية:

دعمت بغداد وحدة لبنان وسيادته، وساندت الحوار بين مكوّناته السياسية، إدراكًا لخطورة تفكك الدول العربية من الداخل.

2. الدعم الإنساني:

في محطات الأزمات اللبنانية، عبّر العراق عن تضامنه السياسي والشعبي، وشارك في تقديم مساعدات إنسانية رغم تحدياته الداخلية.

3. الروابط الثقافية:

احتفظ البلدان بروابط ثقافية وفكرية متينة، واحتضن كلٌّ منهما نخبًا من الآخر في فترات المحن.

إن مسيرة العراق في التاريخ العربي الحديث تجعله أكثر من دولة عانت؛ إنه مرآة للألم العربي المشترك. العراق هو الأخ الذي نُزف طويلًا، لكنه لم يتخلَّ عن أمته، ولم يساوم على هويته. ورغم ما أصابه من إنهاك، بقي ركنًا أساسيًا في معادلة التوازن العربي، وذاكرة حيّة لمشروع النهضة والوحدة.

الشعب العراقي، بصبره وتشبثه بالحياة، يجسّد روح العروبة في أنقى صورها: عروبة لا تنكسر تحت الحصار، ولا تموت تحت الركام. وسيبقى العراق، بتاريخِه وحضارته وشعبه، جرحًا مفتوحًا في الجسد العربي، لكنه في الوقت نفسه أملٌ متجدد بنهوض الأمة واستعادة دورها ووحدتها.

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal