لم يعد ما يجري في جنوب اليمن قابلًا للتفسير بوصفه خلافًا داخليًا بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمجلس الانتقالي الجنوبي، ولا حتى كتعبير عن أزمة تاريخية بين الشمال والجنوب. فالمسار الذي اتخذته الأحداث خلال السنوات الأخيرة يكشف أن الجنوب تحوّل إلى ساحة مركزية ضمن مشروع إقليمي أوسع لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة، عبر تفكيك الدول الهشة وتحويلها إلى كيانات وظيفية مرتبطة بتحالفات خارجية.
الانتقالي الجنوبي: من فاعل محلي إلى أداة إقليمية
تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 في خضم الحرب المفتوحة وانهيار الدولة، رافعًا شعار “استعادة دولة الجنوب”. لكن تطوره لم يسرِ في إطار حركة سياسية محلية طبيعية، بل تزامن مع تأسيس منظومة عسكرية وأمنية موازية للدولة، تمتلك قرارها المستقل، وتسيطر على موانئ ومطارات ومعسكرات، خارج سلطة الحكومة المركزية.
هذا التحول لم يكن ممكنًا لولا دعم خارجي مباشر ومنهجي، جعل من المجلس الانتقالي كيانًا يتجاوز قدرات الفاعلين المحليين التقليديين في اليمن.
الإمارات: الداعم الرئيسي عسكريًا وماليًا
تشير الوقائع الميدانية وتقارير دولية متعددة إلى أن الإمارات العربية المتحدة شكّلت الداعم الأساسي للمجلس الانتقالي، عبر:
– تمويل مباشر لتشكيلات عسكرية وأمنية مرتبطة به.
– تدريب وتسليح قوات مثل “الحزام الأمني والنخب” المحلية.
– إنشاء بنية أمنية مستقلة عن وزارتي الدفاع والداخلية المركزيتين.
– توفير غطاء سياسي للمجلس في مواجهة الحكومة الشرعية.
هذا الدعم لم يكن سياسيًا عابرًا، بل بنيويًا طويل الأمد، حوّل المجلس إلى قوة أمر واقع قادرة على فرض خياراتها، وفتح الباب أمام مشروع انفصالي خارج التوافق الوطني اليمني.
القبول الدولي الضمني: إدارة الفوضى لا حلّها
إلى جانب الدعم الإقليمي، حظي المجلس الانتقالي بدرجة من التسامح الدولي غير المعلن. فالقوى الغربية، التي ترفع شعار “مكافحة الإرهاب” وتأمين الملاحة الدولية، تعاملت مع المجلس بوصفه شريكًا أمنيًا محليًا، متغاضية عن كونه كيانًا خارج الشرعية.
هذا القبول الضمني لم ينبع من إيمان بمشروعيته السياسية، بل من منطق براغماتي يقوم على إدارة الفوضى بدل معالجتها، حتى لو كان الثمن هو تقويض الدولة اليمنية نفسها.
تقاطعات خطيرة مع إسرائيل
من زاوية الأمن الإقليمي، يبرز القلق السعودي من انفتاح الجنوب على تحالفات غير عربية. فالموقع الجغرافي لجنوب اليمن، المشرف على باب المندب والبحر العربي، يجعله ذا أهمية استراتيجية استثنائية. وفي هذا السياق، تظهر مؤشرات على تقاطعات مصالح أمنية غير مباشرة مع إسرائيل، خصوصًا في ما يتعلق بمراقبة الممرات البحرية وخطوط التجارة والطاقة.
حتى في غياب علاقات معلنة، فإن مجرد تحوّل الجنوب إلى ميدان مفتوح أمام مثل هذه التقاطعات يُعد، من المنظور السعودي، تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي والخليجي.
الشرعية اليمنية: الدفاع عن الدولة لا عن الأداء
في المقابل، ورغم ما تعانيه الحكومة اليمنية الشرعية من ضعف وانقسامات وفشل إداري، فإن السعودية تنظر إليها بوصفها آخر مظلة قانونية للدولة اليمنية. دعم الرياض للشرعية لا يعني الدفاع عن أخطائها، بل رفض استبدال الدولة بكيانات مسلحة، لأن ذلك يقود حتمًا إلى تفكك شامل يخدم الميليشيات والمشاريع الخارجية.
السعودية: من الصبر الاستراتيجي إلى رسم الخطوط الحمر
لسنوات، تعاملت السعودية مع الملف اليمني بأقصى درجات الصبر، وراعت توازنات التحالف وتعقيدات الداخل اليمني. لكن حين بات واضحًا أن هناك مشروعًا يُفرض كأمر واقع في الجنوب، مدعومًا بقوة السلاح والتحالفات الخارجية، انتقلت الرياض إلى مرحلة جديدة عنوانها التحذير الواضح ورسم الخطوط الحمر.
فقيام كيان جنوبي منفصل، يرتبط بأجندات غير عربية، لا يُعد مسألة يمنية داخلية، بل تهديدًا طويل الأمد للأمن السعودي والإقليمي.
ما يجري في جنوب اليمن اليوم، هو اختبار حقيقي لمعركة أكبر على مستقبل المنطقة. مشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط لا تعترف بالتوازنات الهشة ولا بالتسويات المؤقتة، ولا يوقفها إلا موقف حازم واستعداد للمواجهة.
من هذا المنطلق، فإن الموقف السعودي لا يمكن قراءته كتصعيد عابر، بل كدفاع استراتيجي عن استقرار الإقليم، ورفض لتحويل اليمن إلى منصة تهديد دائمة تحت عناوين محلية مضللة.




