أستراليا والسياسة الشعبوية.. بقلم عباس علي مراد

“ينبغي على القادة السياسيين عدم تشجيع أعمال خطرة أو الترهيب من أجل تعزيز مصالحهم السياسية”
رئيس الوزراء الأسترالي أنثوني ألبانيزي..

وقعت في أستراليا خلال الأسبوعين الماضيين عدة حوادث ذات طابع سياسي، أمني، ثقافي، مطلبي واجتماعي، وكل تلك الحوادث لها أبعاد ودلالات سياسية معينة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام ومنها:
– في ولاية فكتوريا إطلاق ديزي فريمان من مجموعة “المواطنون السياديون” (الذين لا يعترفون بالدولة) النار على مجموعة من رجال الشرطة فقتل أثين، وجرح ثالث جروحاً خطيرة، وما زال فريمان متورياً عن الانظار.
– التظاهرة من أجل أستراليا تحت شعار “حبها أو اتركها”  لحماية وأستعادة القيم ألأسترالية، التي نظمتها مجوعات مناهضة للهجرة وشاركت فيها مجموعات النازيين الجدد.

– مهاجمة مجموعات نازية معسكر السيادة الخاص بالسكان الأصليين في ولاية فكتوريا والمعسكر مقبرة مقدسة للسكان الأصليين، وقد جرح أربعة أشخاص في الهجوم.

– إقتحام المؤتمر الصحافي لرئيسة وزراء ولاية فكتوريا من قبل أحد قادة النازيين الجدد وزعيم الشبكة الاشتراكية الوطنية توماس سيول.

– تسريب شريط مسجل لأي بي سي عن شرطي في غرب أستراليا يسخر من إنتحار أحد المحتجزين من السكان الأصليين.

– طرد أستراليا السفير الإيراني من استراليا على خلفية اتهامات لإيران بالتدخل في السياسية الأسترالية، وتمويل عمليات معادية للسامية في أستراليا ولم تقدم الحكومة أي معلومات، واكتفت بتقارير أجهزة الإستخبارات التي لم تفصح عنها.

– توقيع الحكومة الأسترالية اتفاقية مع حكومة ناورو بقيمة 400 مليون دولار كدفعة أولى، و70 مليون دولار سنوياً لإستقبال المبعدين من طالبي اللجوء الذين خسروا حقوقهم للبقاء في أستراليا.

هذه الأحداث وغيرها إحتلت مركز الصدارة إعلامياً، وطغت على العمل السياسي، وظهرت إلى العلن مواقف إعلامية  وسياسية لا لبس فيها حول كيفية إستغلال الإعلام  والسياسيين من كل الأطياف لهذه الأحداث.

بالنسبة لقضية الهجرة والتي استغلت من قبل الإعلام والمجموعات المناهضة للهجرة بعيداً عن الحقيقية، واستخدمت أرقام مضخمة عن اعداد المهاجرين.

ففي برنامجه الصباحي على إذاعة تو جي بي قال مقدم البرنامج بن فوردم أن أستراليا تستقبل يومياً 1544 مهاجر أي حمولة طائرات، بينما أرقام الوزراة تقول أن العدد الحقيقي هو 185 ألف مهاجر سنوياً.

في المظاهرات التي جرت في نهاية الأسبوع الماضي في عددٍ من عواصم الولايات والمدن الاقليمية  الأستراليلة، والتي شارك فيها 15 ألف شخص في سيدني حسب أجهزة الشرطة، وفي ولاية فكتوريا شارك حوالي 5000 الف شخص، وقد استهدفت الجالية الهندية بشكل خاص من قبل المتحدثين الذين شاركوا في المظاهرات.

وقد دخلت على الخط  وفي عملية إستغلال سياسي رخيص السينتورة  من حزب الأحرار جاسينتا نامبيجينبا برايس، وفي معرض حديثها عن الهنود القادمين إلى أستراليا قالت “إن قطاعات من المجتمع قلقة بشأن العدد الأساسي، أو نوع المهاجرين الوافدين”

واضافت “أعتقد أن حزب العمال يرغب في ضمان السماح بدخول من يدعمون سياساته وآراءه ويصوتون له في نهاية المطاف.

وتابعت”هذه هي طبيعة حزب العمال. بإختصار، إنه يسعى للسلطة بأي ثمن، ونرى ذلك يحدث في كل مكان من حيث سلوكهم.
قبل ان تعود وتتراجع عن تصريحاتها في نفس اليوم 3/09/2025.

وفي نفس اليوم الاربعاء 3/9/2025  حاول حزب “أمة واحدة” المتطرف بزعامة بولين هانسون تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في تأثير ارتفاع معدلات الهجرة على الاقتصاد الأسترالي.

وقد عارضت المعارضة الفيدرالية الإقتراح، وصوتت الى جانب الحكومة لإسقاط المشروع ولكن 3 نواب من المعارضة صوتوا الى جانب المشروع ، وهم بريدجيت ماكنزي وروس كاديل من الحزب الوطني ، والنائبة سارة هندرسون من حزب الأحرار، في النهاية رفض مجلس اليوخ الاقتراح بأغلبية 37 صوتًا مقابل 9.

رئيس الوزراء انثوني البانيزي وفي تعليقه على المظاهرات المضادة للهجرة قال: أنه “لا شك” في أن “أشخاصاً طيبين” كانوا من بين الحشود في الفعاليات الوطنية، التي دعت إلى إنهاء “الهجرة الجماعية”.

وأضاف: “هناك دائمًاً  أشخاصاً طيبون سيحضرون للتعبير عن آرائهم حول قضايا معينة. ولكن ما رأيناه هنا هو تقديم منبر للنازيين الجدد”

لكن وحسب مصدر من حزب العمال إن العديد من النواب شعروا بعدم الإرتياح تجاه لغة ألبانيزي، لكنهم اختاروا عدم التحدث، لكن وزير العمل السابق إد هوسيك انتقد  ادعاء أنتوني ألبانيزي بأن “أشخاصاً طيبين” حضروا مسيرات نهاية الأسبوع الماضي المناهضة للهجرة، قائلاً: “لم أرَ فاشيًا طيبًا بعد”

ووفقًا لما ذكره أحد نواب حزب العمال، استخدمت النائب ماري دويل كلماتٍ توحي بأن “أشياء سيئة حدثت في المسيرة، فأين نضع الخط الفاصل؟.

بالعودة الى مقولة رئيس الوزراء المثبت في أول المقال،  يبدو ان رئيس الوزراء انثوني البانيزي لا يقرن القول بالفعل ولإسباب محض سياسية وانتخابية شعبوية، التي يدخل فيها الاتفاق الذي وقعتها الحكومة مع ناورو لنقل طالبي اللجوء اليها، الإتفاق الذي أيدتها المعارضة الفيدرالية، والسبب الرئيس لتمرير الاتفاقية من قبل الفريقين (الأحرار والعمال) هو لتحييد القضية انتخابياً ومحاكة الاصوات التي تطالب بالحد من أعداد المهاجرين حيث كان كبش الفداء طالبو اللجوء.

هذه العنصرية السياسية المنظمة ليست جديدة، فقد رأينا كيف انحدر المستوى السياسي في شهر تشرين الأول عام 2023  في الإستفتاء الذي نظمته حكومة البانيزي،  لإعطاء صوت للسكان الأصليين في البرلمان والإعتراف بهم في مقدمة الدستور، والذي كانت نتائجه كارثية بسبب حملة التخويف الممنجهة التي قامت بها المعارضة بزعامة بيتر داتون، وقادتها السينتورة جاسينتا نامبيجينبا برايس التي كانت مسؤولة عن شؤون السكان الأصليين في حكومة الظل.

الشيء الآخر، والذي يبدو فيه أن الحكومة وبتأييد من المعارضة أيضاً،  قد  تخلت عن دورها حين أقدمت على تعيين مبعوثاً خاصاً لمعادة السامية، وآخر لمحاربة الإسلاموفوبيا رغم أن قوانين محاربة التمييز العنصري المعمول بها فدرالياً وفي كافة الولايات تفي بالغرض.

السؤال البديهي الذي يطرح نفسه،  فهل سنجد أنفسنا غداً امام مطالب للجاليات الأخرى بتعيين مبعوثين خاصيين لمحاربة العنصرية ضدها؟

المعروف تاريخياً، ان جاليات كثيرة كانت ضحايا  العنصرية في أستراليا الطليان، ثم الأوروبيين الشرقيين، ثم اليونانيين ثم الصينيين واللبنانيين والمسلمين واليوم يستهدف الهنود، ودائماً ضد السكان الأصليين.

إذن، المسؤولية اليوم الكرة في ملعب السياسيين، ولم يعد يجدي نفعاً أن نواصل الإحتفال بالتعددية الثقافية، وهناك موطنين يخشون الخروج خوفاً على سلامتهم  بسبب اللون أو المعتقد او الخلفية الأثنية، قد يقول قائل أن الأمور ليست على هذا القدر من السوء وهذا صحيح، ولكن كما قالت النائب ماري دويل أين نضع الخط الفاصل؟.


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal