حروب الالغاء المارونية.. والأخوة الأعداء!… غسان ريفي

كلما حان وقت إنتخابات رئاسة الجمهورية في لبنان، سارع الأقطاب الموارنة ومن يدعمهم الى رفع المتاريس في وجوه بعضهم البعض، والى قطع الطرقات على بعضهم البعض، والى شن حروب إلغاء سياسية فيما بينهم، ومن يحالفه الحظ، يصل الى قصر بعبدا منهكا، ومحمّلا بكمّ كبير من الخصومات التي تتحكم في تعاطيه على مدار ست سنوات مع أركان الطائفة من زعماء وقادة ورجال إكليروس ورابطة ومجلس عام فيما الجميع يدور في فلك بكركي التي يُسجل لها خوض صولات وجولات مع رؤساء الجمهوريات.

“ندب الحال” الذي بلغه الموارنة خصوصا والمسيحيون عموما في لبنان، بات أمرا متعارفا عليه عند كل إستحقاق، حيث يعمد البعض الى إطلاق شعارات بعيدة عن الواقع بهدف تحقيق شعبية هنا، ومكاسب هناك، وإستدرار عطف هنالك، سواء لجهة الدفاع عن حقوق المسيحيين أو التخوف من تراجع حضورهم، أو الغوص في صلاحيات رئاسة الجمهورية، حيث يحلو للبعض أن يعزو الأسباب الى عوامل خارجية أو مؤامرات داخلية تحيكها الطوائف الأخرى، وهذا الانطباع السائد، ينطوي على إتهامات خطيرة ومبالغ فيها، بحسب ما يؤكد خبير عتيق يعرف الشاردة والواردة وما يحاك في العلن والخفاء في الصف المسيحي.

يعود هذا الخبير بالذاكرة إلى العام 1988 حينما راوغ امين الجميل وناور حتى اللحظة الأخيرة من ولايته محاولا التجديد لنفسه لولاية ثانية لرئاسة الجمهورية إستدعت زيارة منه الى الرئيس السوري حافظ الأسد، وعندما فشل في مسعاه، رمى كرة النار في ملعب اللبنانيين مسيحيين ومسلمين، وشكل حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش يومذاك العماد ميشال عون التي سرعان ما تحولت إلى نصف حكومة طغى عليها الطابع الطائفي، بعد استقالة الضباط المسلمين منها.

وبحسب الخبير، فإن الجميل لم يسم عون حبا به، بل سعيا منه لتعجيل الصدام بين قائد القوات اللبنانية سمير جعجع والعماد عون لتخلو له الساحة المسيحية، لكن السحر انقلب على الساحر، فاتفق الاثنان على ابعاده عن لبنان، فالأول امر ونفذ على الأرض، والثاني لم يمانع، لكنه حرص على إبلاغ رسالة واضحة بعدم ايذائه جسديا، وعدم التعرض لعائلته.

سارع سمير جعجع الى القبول باتفاق الطائف، كونه كان يضع في رأس إهتماماته الاطاحة بالعماد ميشال عون، ولم يتطلع آنذاك الى صلاحيات رئاسة الجمهورية، وتشير المعلومات الى أن جعجع طلب وقتها من بعض الأقطاب الموارنة وفي مقدمهم الراحل جورج سعادة وقف الجدال حول بنود الطائف وتفسيره والانصراف كليا الى الاستحقاق الرئاسي وإنتخاب رئيس جديد، مؤكدا أن المهم هو إزاحة “الجنرال”، ومن ثم يتم التفرغ مع بعض الحلفاء لاسقاط الطائف، في حين سارع ميشال عون الى تخوين كل من لم يجاره في رفضه للطائف ولم يتوان عن التضييق على بعضهم.

وعندما جاء الياس الهراوي إلى الرئاسة ركز اهتمامه على تطويق كل من حاول الاحاطة بالحالة المسيحية التي ضعفت وضمرت وأحبطت وأنهكت بحرب الالغاء وحرب التحرير وصولا الى إنهاء تمرد العماد عون الذي غادر الى فرنسا التي سبقه إليها امين الجميل وريمون اده، ومن ثم تم سجن سمير جعجع، فلم يعد هناك من يملأ الفراغ المسيحي القائم.

في عرض سريع لما شهدته السنوات الأخيرة على مستوى العلاقات المسيحية ـ المسيحية، يظهر أن الرؤساء: إميل لحود، ميشال سليمان، وميشال عون، كانوا الأكثر استهدافا من قيادات وشخصيات مسيحية وخصوصا مارونية، بدءا من حملة “فل” ضد الرئيس لحود، ودعوات سمير جعجع وفارس سعيد، وكارلوس اده، وحتى في بعض الأحيان (عندما كان يشعر بنفسه مزروكا) امين الجميل. مرورا بحملات عون البالغة القسوة ضد الرئيس سليمان. وصولا الى انتقادات جعجع الأكثر من لاذعة ضد عون، وعنتريات سامي الجميل وابن عمه نديم الذي هدد بانزال الرئيس عنوة من قصر بعبدا، كل ذلك يؤكد أن الاحباط الذي غالبا ما يتحدث به الموارنة سببه حروبهم الداخلية، وليس أي إستهداف آخر..
بات واضحا بحسب المصادر أن الموارنة يعرفون، وإن كانوا لا يقرون بأنهم اقل قوة من ذي قبل، وتحديدا قبل الطائف. لكن عليهم أن يعلموا انهم ما زالوا يحتلون مواقع رئيسة واساسية في الدولة تُوازن لا بل تفوق ما انتزع من رئيس الجمهورية، لكنهم يضيعون ما لديهم من فاعلية بسبب تناحرهم، وصراعهم، واعتناقهم سياسة “انا او لا احد”
هذا الواقع، افرز معادلات جديدة منها انه بعد ولاية الرئيس لحود التي شابها ما شابها من محاولات للاطاحة به، وكسر هيبة الرئاسة الأولى، بات وصول عسكري وتحديدا قائد الجيش إلى بعبدا قاعدة شبه عامة.
واليوم، فإن ثلاثة ارباع الحرب التي تشن ضد الرئيس عون، مصدرها موارنة. وأن التيار الوطني الحر يواجه حربا الغائية من القوات والكتائب، وبالعكس، وكل ذلك بفعل تخبط التحالفات القائمة على المصالح السياسية الخاصة. والا لماذا تقاطعت مصالح القوات والتيار على تفاهم “معراب” الذي اراده عون سلّما لبلوغ الرئاسة الاولى، وجعجع لزيادة مكاسبه النيابية وفي التعيينات والمناصب، والغزو السهل لجبل لبنان. ولم يلبث أن انقلب جعجع متذرعا باسباب قد تكون او لا تكون صحيحة، واطلق “نيرانه” على الرئيس، وهو في منتصف الطريق. كما أظهر جبران باسيل ميلا غير مسبوق للاستئثار بالمكاسب. وهكذا تحول شعار ” اوعا خيك” إلى “اوعا من خيك”.
وبعد ذلك هل يحق للموارنة أن يقولوا انهم مستهدفون، طالما هم في حرب مفتوحة ضد بعضهم البعض؟.
عندما وقعت الواقعة بين وحدات الجيش بقيادة العماد ميشال عون والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، في ما سمي يومها: “حرب الالغاء” او “حرب توحيد البندقية”، بحسب التوصيف الذي اطلقه يومها كل من طرفي المواجهة، علق البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، مطلقا عليهما لقب “الأخوة الاعداء”. وها هم “الأخوة الأعداء” يعودون إلى ساحة النزال بما هو افتك من الأسلحة النارية، من الالغاء المعنوي والسياسي… والله وحده يعلم النتائج..


مواضيع ذات صلة


Post Author: SafirAlChamal