الجامعة اللبنانية.. وفرصة الإنقاذ الأخيرة… د. بشار إسماعيل

يوم الجمعه 11 آذار 2022 ، أعلنت الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية في مؤتمر صحافي التوقف القسري عن أداء الأعمال الأكاديمية، إعتراضا على الغبن اللاحق بالجامعة وأهلها وطلابها.

إضراب الأساتذةُ المتفرغين جاء ليلاقي الإضراب النضالي للأساتذة المتعاقدين المطالبين باقرار ملف تفرغهم والذي دخل شهره السادس على التوالي مع تأكيدهم على عدم العودة إلا بعد التفرغ.

مدربو الجامعة أيضا، كانوا قد أعلنوا سابقاً إضراباً لحين تلبية مطالبهم وإصدار عقودهم في مجلس الوزراء.

ما تقدم يدل على أن الجامعة دخلت فعليا في حالة من الشلل التام الذي حذر منه الحريصون عليها طويلا في السابق. فالجامعة عبر إضراب متفرغيها ومتعاقديها وموظفيها تعلن أنها باتت عاجزة عن الإستمرار في ظل اللامبالاة الغريبة التي تتعامل السلطة بها معها، والذي انعكس جليا من خلال الموازنة الهزيلة والمجحفة التي منحتها الحكومة لهذه المؤسسة العامة الممتدة على مساحة الوطن. موازنة أقل ما يقال فيها انها معيبة، إذ أكد العارفون انها لا تكفي الجامعة لشهرين على أبعد تقدير.

كيف تريد السلطة واحزابها لجامعة المئة الف طالب واستاذ وموظف ان تستمر من دون أوراق وأقلام وحبر؟؟!!  ألا يستحي هؤلاء حين يرون مجمعات جامعية كلفت ملايين الدولارات وقد اصبحت مهجورة، ميتة، لا حياة فيها؟ ألا يخجلون حين يعجزون عن تأمين كلفة تشغيل هذه الصروح العلمية المخصصة لاستقبال آلاف الطلاب من كل أنحاء لبنان، فيتركونها من دون ماء وكهرباء وخدمات؟ كيف يقبلون ان تعود كل المؤسسات التربوية الى التعليم الحضوري بينما لا يؤمّنون لطلاب الجامعة الوطنية مقومات العودة والدعم اللازم لذلك، ويتركونهم للتعليم عن بعد، مع كل المشاكل والهواجس المحيطة بهذا النوع من التعليم الطارئ الذي عادت عنه كل دول العالم؟. كيف يرتضون ان يتخرج الطلاب من دون ان يجلسوا على مقاعد الجامعة ويدخلوا قاعاتها ومختبراتها لأن المباني الجامعية لم تعد قادرة على احتضانهم؟ أي مصير أسود وقاتم يرسمون للتعليم في هذا البلد الذي كان يتغنى بمستوى خرّيجيه لأجيال خلت؟..

علاوة على ذلك، اليوم، هناك ملفات حيوية للجامعة موجودة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء وتتضمن إدخال المتعاقدين الى التفرغ، إدخال المتفرغين الى الملاك وإصدار عقود المدربين. “تطنيش” هذه الملفات الأساسية للجامعة اللبنانية، في الوقت الذي يتم فيه إفراد مساحات واسعة للجامعات الخاصة في الجلسات الحكومية المتتالية من اجل اقرار استحداث فروع وبرامج، دليل على مدى”إستلشاء” السلطة بالجامعة واهلها. وإلا كيف يفسر لنا المسؤولون” تنييم” ملفات الجامعة الجاهزة في الأدراج؟

إن استمرار السلطة واحزابها بإدارة “الأذن الطرشاء” لمطالب الجامعة وأهلها هو دقٌ للمسمار الأخير في نعشها، وسيشكل الحلقة الأخيرة من مسلسل التدمير الممنهج وصولاً للقضاء على هذا الصرح الذي شكل منارة وطنية رائدة على مدى عشرات السنوات. تدمير كارثي سيقضي على حق ابناء هذا البلد وشبابه وطلابه بتعليم نوعي ويؤدي الى نزيف دامٍ ومتسارع في الكفاءات العلمية وخاصة في صفوف الأساتذة المتعاقدين الذين هاجرت اعداد كبيرة منهم في الأساس.

الكلام أعلاه دليل واضح على ان الجامعة بشرا وحجرا ليست بخير. وأن على من يدّعون المسؤولية أن يسارعوا فورا الى “إنقاذ” هذا الصرح التربوي بالأفعال لا الأقوال. يتم ذلك عبر رفع موازنة الجامعة لتتمكن من متابعة مسيرتها والقيام بدورها بالتوازي مع طرح ملفاتها المختلفة وإقرارها في أول جلسة حكومية قادمة دون تأخير أو تسويف أو مماطلة. فالملفات جاهزة ولا تحتاج اكثر من ارادة صادقة لإقرارها، وعلى رأسها ملف تفرغ المتعاقدين الذي يمكن ان يحد من خسارة الجامعة لهذه الكوادر المميزة والتي ستحمل الجامعة على أكتافها مستقبلا.

السلطة إذاً أمام امتحان إنقاذ الجامعة اللبنانية ومنع انهيارها وتأمين استمرارها ودعم صمود أهلها والحفاظ على حق طلابها بالتحصيل العلمي والمعرفي، فهل تفعل؟

إنها الفرصة الأخيرة، فلا تخطئوا الحساب. 

الكاتب: د. بشار اسماعيل – أستاذ متعاقد في كليتي العلوم والصحة في الجامعة اللبنانية.


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal