″السُنة″ أصدق الثائرين!… عبدالرحمن ضاهر

ربما كان لبنان بأمس الحاجة إلى ثورة ولكن الثورة تحتاج الى فكر وهدف وتنظيم وتخطيط.

لا يوجد شيء يسمى هدوء في الثورة. لأنها تقتضي استخدام القوة المفرطة والعنف الشديد للوصول إلى تغيير جذري في نظام الحكم وقلبه رأساً على عقب، وهذا ما يجعلنا نفكر مجدداً في المصطلح.

تظاهرات، اعتصامات، حراك، إنتفاضة تعددت الأسماء والهدف واحد لدى قوى التغيير بثورتهم ضد السلطة الحاكمة سواء أشاركت بالحكم منذ ال 1990 أو منذ ال 2005 كما يقولون، لكن ما بدأ به اللبنانيون كان لا شك خطوة ممتازة في الأيام الأولى لإنطلاق الثورة، التي ما لبثت أن تراجعت وبدأ مكر السلطة يجتاحها من جهة وطمع المتسلقين عليها ينخرها من جهة أخرى.

بقيت الثورة مراهقة يغمرها الدلع في كل ساحات المدن، ويُرنحها الطيش في الشوارع، ويأخذها الإسترخاء والخمول أحياناً الى مقاهي المثقفين.

ظهر المكر لهذه الثورة بثوب الحب والإجماع الوطني يفيض بالإهتمام والمساندة متسللاً من أقبية بعض الأحزاب خافياً عباءاته الحزبية بثوب وطني براق.

كانت زفة هذ الثورة المراهقة في طرابلس حيث أصبحت  هناك عروساً تضاء لها الشموع ويرقص لها الناس بالنار والنور محاطون بإسم الله الأعظم ليزداد المشهد قداسة وهيبة.

لكن عروستنا الوطنية هذه أرادت أن تُمضي شهر العسل أمام السراي الحكومي، وتشبثت برأيها لينزف عنابها في وسط بيروت وتتمخض أخيراً عن إسقاط الحكومة وتكمل فرحتها وإنجازها.

لقد أُنجزت المهمة، عاد الماكر إلى حزبه أو أحزابه وكان الطلاق سريعاً، عادت هي من بيروت الي طرابلس أكبر معاقل السُنة في لبنان وبقيت عروس الثورة وحدها هناك لشهور في ساحة النور.

لم يغلق جسر الرينغ ولا جل الديب مجدداً، سكت الجنوب والبقاع وانسحبت جونية وكثير من المناطق بقي الشمال وحده يصدح ليكمل المسيرة على من بقي في السلطة لكن لا حياة لمن تنادي وهذا ما جعل الكثيرين من أبناء الطائفة السنية الذين هتفوا من معاقل السنة ضد الحريري والمستقبل وباقي القيادات يشعرون بالخيانة بعدما اندفعوا بحماسة وراء شعارات وطنية جامعة وكانوا يحلمون بدولة المواطنة ويريدون منقذا وطنيا بغض النظر عن طائفته ومذهبه عسى أن يخلص لبنان ويحمل المواطن اللبناني نحو التقدم والإزدهار والبحبوحة.

وفي المسار نفسه، فإن ابن هذه المناطق السنية يحمل الكثير على ممثليه حيث أن الأحزاب والتيارات الممثلة الطائفة السنية لا شك أنها لم تقم بواجباتها لهذه المناطق التي ترزح تحت وطأة الحرمان وعدم حصولها على ما يكفي من جرعات الإنماء ويعاني غالبية أهلها من الفقر ويشعر شبابها بالغبن حيث لا وظائف ولا إهتمام ولا فرص عمل بالمقارنة مع المناطق والشعبية المحسوبة على الأحزاب والتيارات الأخرى.

يبدو أنه لا أحد كان صادقاً بشعار كلن يعني كلن وطبقه فعليا غير “السنة”، لم يستقل إلا سعد الحريري، بينما نبيه بري كان ولا يزال خطا أحمر وطريق بعبدا غير نافذ، أما السراي الحكومي فكان وحده الفريسة السهلة.

الكل يريد ثورة ولكن ليسوا صادقين أولئك الذين يريدون تنظيم موحد على مستوى وطني لأن الهدف من الثورة الحقيقة هو إسقاط منظومة أمراء الحرب وملوك الطوائف كاملة وكيف سيقبل ثوار الطوائف الأخرى أو كيف تكون لديهم الشجاعة بأن يقبلوا وفي نهاية المطاف سيكون الهدف هو إسقاط زعيم طائفة تمثلهم وهم أي الثوار من الطوائف الأخرى غير السُنة غالباً يسكنون هم أو عوائلهم في البيئة الحزبية وبالتالي سينبذون من مجتمعهم او ستصبح حياتهم معرضة للخطر والتضييق إلى حد القتل.

وعلى ذكر الطائفية يُلاحظ في تاريخ لبنان أن كل الزعامات السنية اللبنانية لم يكن لديهم خطاب طائفي أو فئوي بل دائما كانو يوجهون خطاباتهم على أساس وطني جامع بعكس معظم القيادات والأحزاب الأخرى التي تتشدد في ذكر الطائفة والفئوية بشكل علني، وبعيداً عن كل التشويه الذي تواجهه السنية اللبنانية، فإنه بالحقيقة الكل يعرف تماماً أن أعيان وقيادات ووجهاء هذه الطائفة سواء في بيروت وصيدا وطرابلس ينادون بالإنفتاح والإعتدال والوسطية ويمارسونها فعلياً، وكذلك لم يكن لأحد أبناء البيوت السياسية والزعامات السنية الوطنية مليشيا او شارك في الحرب الأهلية واقتصرت مشاركة بعض أبناء الطائفة السنية على الانضمام للمنظمات والفصائل التي كانت قياداتها وتنظيمها غير لبناني ولا دور الزعامات السنية فيها ولم يكن لهم تأثير عليها.

لتكن قراءتنا واضخة أن بلدا مثل لبنان لا يمكن أن تنجح فيه ثورة، ولا يمكن أن يحدث فيه إنقلاب، هكذا تقضي الطائفية، وهي السبب.

أما عن “السُنة” فعندما كانت ثورتهم في مصلحة فريق يريد تحقيق نقاط في السياسة على حساب ثورتهم فهذا مسموح وشرعي ولا غبار عليه، لكن السنة عندما يتحركون في أي شيئ يمقت السلطة فالقميص جاهز والتهمة حاضرة، حيث  يصبحون على الفور إرهابيين ومن الجماعات المتشددة.

اليوم ربما أكثر من 17 تشرين الأول 2019، يحتاج لبنان في ظل هذا الجنون الهستيري في الإنهيار الإقتصادي، وفي ظل الجوع، وارتفاع أسعار المواد الأساسية وإتساع نسبة الفقر بشكل مخيف للثورة. لكن قبلها يحتاج لثوار حقيقيين وليس لطفيليات وطامعين ومرتشين ومرتزقة.

تحتاج الثورة دون أدنى شك إلى وحدة الصف وقيادة قوية من كل الطوائف وصدق في الممارسة على الأرض بشكل متوازن وجاد، وإن كان نجاح الثورة بالمعنى التقليدي للكلمة وما تحتاج من مظاهر القوة والعنف الشديد مستحيل في لبنان كما ذكرنا سابقاً، فما على اللبنانيين الا أن يمارسوا ثورة حقيقية بمعنى آخر تتمثل في التغيير من خلال الإنتخابات وإلا فلا قيامة لأي حراك او ثورة بعد اليوم وسيبقى الحال على ما هو، بلد تحكمه الأوليغارشية السياسية عبر الهيمنة الحزبية والتوريث السياسي.

أما بالنسبة لمن انخرطوا في الثورة من الطائفة السنية فهل ستترجم ثورتهم بصدق داخل صناديق الإقتراع أم أن الفشل التدريجي لما سمي ثورة 17 تشرين سيعيدهم إلى الاصطفافات الحزبية وينضووا مجددا بغالبيتهم تحت عباءات الزعامات السنية التقليدية ويجددون البيعة للفاعلين السنة على الساحة اللبنانية؟.

ويبقى التحدي لدى المجموعات الثورية من الطوائف الأخرى يتمثل بطمأنة من تبقى من المؤمنين بشعارات ومسار 17 تشرين من أبناء الطائفة السنية، وتبقى الأيام المقبلة كفيلة بتوضيح الصورة أكثر.

الكاتب: عبدالرحمن ضاهر


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal