هكذا إنتصرت السلطة السياسية على ثورة شعبها!… لبنى دالاتي

تتسارع الأزمات وتزداد تفاقما بفعل ازدياد اهمال السلطة السياسية التي جعلت حال اللبناني كالديك ترمق عيناه جزاره الذي يشحذ السكين..

فالديك مدرك لذبحه، وليست أمامه قدرة على الإفلات، وهو مخير بين ذبحين، إما بسكين مشحوذة جيدا، تمر بنعومة على رقبته، وتوجعه قليلا وتنتهي بعدها رحلة عذابه بلحظة خاطفة، أو بسكين خشنة غير مشحوذة، تحز على رقبته، تؤلمه ولا تزهق روحه بسهولة.

أما وقد دخلت الرحمة الى قلب جزاره، واختار شحذ السكين، ابتسم الديك، ونظر إلى السماء شاكرا وقوع الخيار الأفضل، والأرق، والأنعم.

بهذه المفاضلة، وبهذا المنطق، تواجه السلطة اللبنانية مواطنيها الذين انتفضوا اعتراضا على الهدر والسرقة وعدم بناء دولة المؤسسات، وما إلى هنالك من مطالب..

منذ اندلاع تحركات 17 تشرين الأول 2019، شهد الشارع تحركات كانت تُضبط على يد قوى السلطة وأجهزتها، تحت شعارات “حق التعبير”، وصون الديمقراطية”، دون أن يعني ذلك أن كل الذين شاركوا في تحركات الشارع كانوا من أتباع السلطة، أو هي التي حركتهم.

حقيقة ما جرى في الشارع، أن السلطة استفادت وحققت أهدافها وإنتصرت بثورتها وتوتراتها على الشعب الذي تحرك ضدها.

لم تنطلق ثورة الشعب الا مع بداية تحلل الدولة، والحديث عن الإفلاس والعجز، وتهريب الودائع الكبيرة، والقبض على مدخرات المودعين المتوسطة والصغيرة، وبدء الكلام عن شح أموال المصرف المركزي، والمصارف، بالدولار.

وكان تنفيذ السيناريو الذي اطلقته السلطة بوضع كبار مخططي المال أسعارا مختلفة للدولار، فالرسمي منه هو 1515، ليتأكد المواطن- “الديك” أن المصرف المركزي والدولة لم تخل بالتزاماتها معه. وسعر افتراضي آخر للدولار يحتاج عباقرة اقتصاد لفهمه، وهو 3900، وإفلات الدولار من عقاله في السوق السوداء صعودا في لعبة هي الأخرى خطوة توصف بـ”الجهنمية”.

كل الأمور انهارت تدريجيا، فاستفحل الجوع والمرض والأرق والموت البطيء لدى اللبنانيين ولدى العاملين في القطاع العام من النتائج الكارثية لهذه الأزمات، وبدت كأنها حالة بديهية لانهيار السلطة.

بلع المواطن- “الديك” دفعة وراء دفعة جميع هذه الغصات والطعنات، وراح يتقبل الوقائع شاكرا أن الأمور ليست أسوأ، وعلى المواطن أن يستشعر الصعوبات التي تعانيها دولته، ويتعاطف معها، فيتقبل كل الوصفات التي تقدم له، والموظفون يكافحون كي يجدوا حلولا تمكنهم من الاستمرار ليس فقط بالحد الأدنى من العيش، بل أيضا بالقدرة على ممارسة مهامهم الوظيفية وتأمين سير المرافق العامة.

والشعب مدرك تماما أنه ذاهب نحو الأسوأ، أي رفع الدعم، وتطيير الأسعار بما لا تملك الغالبية تحمله، في حركة تبدو عملية نهب مبرمجة بدقة واحترافية غير مسبوقة.

في هذا السياق حلت أزمتا الدواء، والوقود، ودخل المواطن مرحلة انتصار ثورة السلطة عليه. لا حليب للأطفال، ومريض السكري، والقلب وسواه عرضة للموت، والوقوف صفا واحدا لأربع ساعات يوميا للحصول على البنزين أو المازوت، بات “مستراحا” للناس، يرشفون القهوة في انتظار دورهم. أما الشغل، وبقية مهام الحياة الضرورية، فمؤجلة قسرا.

تتأزم الأوضاع مع اقتراب موعد رفع الدعم، الدواء يكاد مفقود، و90٪ من الصيدليات مقفلة، وتتأزم أكثر فاكثر عملية الحصول على الوقود. فجأة يتقدم خيار أقل سوءا مما هو رائج، وتحديدا تظهير رقم 3900 للدولار المصرفي، بينما دولار السوق السوداء يتصاعد من دون سقف، مع تضخيم الاحاديث عن بلوغه الخمسين الفا أو المائة ألف.

السلطة رمت الدولة على رأس الناس، تاركة لهم تدبر أمورهم، ووضعتهم أمام خيارين، دولار السوق السوداء، أم الدولار المصرفي، كما الديك أمام خياريّ، الموت الناعم بـ 3900 للدولار المصرفي، أي رفع الأسعار بما يناهز ثلاثة أضعاف، أو الموت الخشن بتفلت السوق كما هو اليوم وفق تسعيرة الـ 18000 في السوق السوداء.

بالطبع، سيبتسم المواطن، ويرفع عينيه شاكرا رقة قلب جزاره الذي قدم له خيارا مريحا، لم يكن ليقبل به قبل التهديد برفع الدعم تحقيقا لمطلب البنك الدولي، وتكريسا للهدر الذي طال الدولة والتي دفع المواطن ثمنها سابقا. بذلك، يتكرس انتصار ثورة السلطة على المواطن، فيحتفي بهزيمته الصغيرة، شاكرا نعمة خلاصه من الهزيمة الكبرى.

حقا، هي لعبة غاية في الذكاء مكنت ثورة السلطة من السيطرة على الشعب بحنكة ودراسة قل نظيرها في التاريخ، أليست هي ما يقال عن العبقرية اللبنانية؟


مواضيع ذات صلة


Post Author: SafirAlChamal