ساعتان بإنتظار الدور على محطة البنزين!… عزام .غ. ريفي

لم يسبق لي أن تركت سيارتي تفرغ تقريباً من الوقود حيث كنت أدأب دائما على تعبئة خزانها، ولكن دائما هناك أول مرة، وشاء القدر وبسبب الظروف وأعباء العمل أني نسيت، ويا ليتني لم أنس، فقد بتّ مجبرا على أن أملأ خزان سيارتي بالوقود من احدى محطات المحروقات في طرابلس بدل أن أسلك طريق الأوتوستراد باحثاً عن محطة خالية من طوابير الذل الذي قد يتضاعف في حال فرغت السيارة من البنزين و″قطعتني″ في منتصف الطريق وهنا بدأت قصتي..

أقود سيارتي وكأني في مهمة رسمية في اتجاهي لمحطة “مكية” في يوم حرّ بالنسبة للأيام السابقة وفي يوم فضيل من الشهر الكريم، ولكني لا أستطيع تشغيل “التكييف” وذلك بسبب افتقاري لمادة البنزين التي لا أعلم ان كانت ستكفي لإيصالي للمحطة.

مررت بجانب “مكية” واذا بمشهد لا يصدق، عبارة عن طابور طويل ربما أطول من “سور الصين العظيم” يمتد من بوابة المحطة حتى باب السراي وربما الى ما بعد السراي، فقلت في نفسي “معلش مرة وحدة وبتقطع” خصوصاً انه لم يعد لدي من البنزين ما يكفيني للبحث عن محطة أخرى.

وصلت الى باب السراي الساعة 11:15 قبل الظهر، ركنت سيارتي في الطابور “الخزعبلي” وصدري يشتعل غضباً من هذا الوضع المقزز والمذل، أيعقل أن اللبناني المعزز والمكرم أينما ذهب، وصل لهذه المرحلة من القهر، وبسبب من؟ بسبب “قرطة” فاسدين، سفاحين، بلا ضمير أوصلوا اللبنانيين بسبب طمعهم، وطغيانهم، وتمسكهم بالكراسي والمناصب الى الدرك الأسفل من جهنم، وفي الوقت ذاته، عقلي مشغول ويرسم سيناريوهات بأن مخزون البنزين لن يكفيني حتى أصل وأتم مهمة تعبئة البنزين بنجاح، وسيكون عليي أن أفتش على من يساعدني في دفش السيارة، وأن أتعرض للشتائم لأنني عطلت على المنتظرين سرعة التقدم.

الساعة 12:15 ظهراً، يعني بعد ساعة وأنا في الإنتظار، قطعت سراي طرابلس، ووصلت الى باب مصرف لبنان، مع زيادة منسوب التوتر بسبب مدعوم من هنا يريد إقتحام الصف، وتلاسن من هناك حول ضرورة الالتزام بالدور، وتسابق أصحاب الموتوسيكلات على التعبئة.

الساعة 1:20 ظهراً وصلت أخيراً الى بوابة محطة “مكية” بعد انتظار دام ساعتين تقريباً ونجحت في مهمة تعبئة خزان السيارة، لكني غادرت أضرب كفا بكف على الحال الذي وصلنا إليه، متسائلا أي مستقبل ينتظرنا نحن الشباب الذين يفترض بنا أن نخطط للغد المشرق وبناء الوطن، بدل تضييع ساعتين من أعمارنا على بوابة محطة بنزين.

خلال الانتظار المرّ، تذكرت حكايات كان يرويها لنا جدي (رحمه الله) عن الطوابير الطويلة للحصول على ربطة خبز، وعلى محطات البنزين التي كانت تشهد عمليات قتل في بعض الأحيان على أفضلية الدور، وإنقطاع الكهرباء والعيش على “اللوكس” لمتوسطي الحال وعلى الشموع للفقراء، إضافة الى الذل الذي كانوا يعيشون فيه قبل أكثر من أربعين سنة، وتركهم لمنازلهم مرات عدة خوفا على الحياة من حرب مشؤومة. 

بعد أربعين سنة وبدل أن نأخذ بالتطور ونلحق بركب التكنولوجيا على كل صعيد، عدنا أربعة عقود الى الوراء، مئات المواطنين يتهافتون على رغيف الخبز، يتقاتلون على غالون زيت أو كيس حليب، يشتمون بعضهم البعض في طوابير الذل أمام محطات البنزين..

لسنا في حرب يا جدي، ولكن حكامنا قرروا الانتقام والتشفي منا وقيادتنا الى التعتير رغماً عنا، لم يتركوا لنا أملا ولا حلما، ولا هدفا، سرقوا منا المستقبل وأورثونا المأساة والمعاناة، دعسوا على كرامتنا لكي يحققوا طموحات سياسية أو مكاسب ومصالح آنية..

كان جدي عندما ينهي حكاياته يعود بالذاكرة ويقول “الله لا يسامحهم”..

فلا سامحكم الله.


مواضيع ذات صلة


 

Post Author: SafirAlChamal