حياد لبنان.. خيار استراتيجي بين نقيضين (6)… صبحي عبدالوهاب

تنشر ″سفير الشمال″ على حلقات كل يوم ثلاثاء دراسة حول طرح ″الحياد″ أعدها الباحث صبحي عبدالوهاب، وفيما يلي الحلقة السادسة..

تناولت المذكرة البطريركية مفهوم الحياد النَّاشط بابعاده الثلاثة وهي مترابطة ومتكاملة وغير قابلة للتَّجزئة. ويتجلى البُعد الأوَّل بعدم دخول لبنان قطعيًّا في أحلافٍ ومحاورَ وصراعاتٍ سياسيَّةٍ وحروبٍ إقليميًّا ودوليًّا؛ وامتناع أيِّ دولة إقليميَّة أو دوليَّة عن التَّدخُّل في شؤونِه أو الهيمنة عليه أو اجتياحه أو احتلاله أو استخدام أراضيه لأغراض عسكريَّة، بموجب اتِّفاقيَّة مؤتمر لاهاي الثاني (18 تشرين الأول 1907) وسائر الاتِّفاقاتِ الإقليميَّة والدَّوليَّة اللَّاحقة. ويحقُّ للبنان أن يبقى عضوًا فاعلًا في جامعة الدُّول العربيَّة ومنظَّمة الأمم المتَّحدة، فيُساهِم في إغناء فكرة تضامن الشُّعوب وعملها من أجل السَّلام ونهضة الشُّعوب. ويرتكز البُعد الثَّاني على تعاطف لبنان مع قضايا حقوق الإنسان وحرِّيَّة الشُّعوب، ولا سيَّما العربيَّة منها التي تُجمِع عليها دولُها والأمم المتَّحدة؛ وبذلك يُواصِل لبنان الدِّفاع عن حقِّ الشَّعب الفِلسطينيّ والعمل على إيجاد حلٍّ للَّاجئين الفِلسطينيّين لاسيَّما أولئك الموجودين على أراضيه. إنَّ لبنان المحايد يستطيع القيام بدوره و”رسالته” في محيطه العربيِّ، التي يتبسَّط فيها الإرشاد الرَّسوليّ للقدِّيس البابا يوحنَّا بولس الثَّاني “رجاء جديد للبنان” (الفقرتان 92-93) التي  وإتِّخاذ مبادرات للمصالحة والتَّقارب بين مختلف الدُّول العربيَّة والإقليميَّة وحلّ النِّزاعات. إنَّ ميزة لبنان التَّعدُّديَّة الدِّينيَّة والثَّقافيَّة والحضاريّة تجعله حكمًا أرضَ التَّلاقي والحوار بين الدِّيانات والحضارات والثَّقافات، عملاً بقرار منظَّمة الأمم المتَّحدة في دورة أيلول 2019، الذي أعلنَ لبنان “أكاديميَّة الإنسان لحوار الدِّيانات والحضارات”. ولبنان بموقعه على ضفة المتوسِّط هو جسر تواصل ثقافيّ واقتصاديّ وحضاريّ بين الشَّرق والغرب.والبُعد الثَّالث هو تعزيز الدَّولة اللُّبنانيَّة لتكون دولةً قويَّةً عسكريًّا بجيشها وبمؤسَّسَاتِها وقانونها وعدالتها وبوحدتها الدَّاخليَّة وإبداعاتها، لكي تضمن أمنها الدَّاخليّ من جهة، وتدافع عن نفسها بوجه أيِّ اعتداءٍ برِّيٍّ أو بحريٍّ أو جوّيٍّ يأتيها من إسرائيل أو من سواها من جهة أخرى. ويَستلزم لبنانُ الحيادي أن يُصارَ إلى معالجةِ الملفَّات الحدوديَّة مع إسرائيل على أساس خطِّ الهدنة، وترسيم الحدود مع سوريا أيضًا.

ويرى البطريرك الراعي في نظام الحياد مصدراً لإستقلال لبنان واستقراره إذ يؤمِّن الخروج من حالة النِّزاعات والحروب والأحداث الدَّاخليَّة المتتالية التي تلَتْ قيام دولة لبنان الكبير: 1958، 1969، 1973، 1975. وبرجوعه إلى الأسباب التَّاريخيَّة للنِّزاعات، وجد ثلاثة أنواع أساسيَّة:

أ- نزاعات داخليَّة بين المكوِّنات الدِّينيَّة والجماعات المذهبيَّة المتعدِّدة الولاءات على خلفيَّة قوميَّة وعقائديَّة ورغبةٍ بتعديل سلطة الحكم في البلاد وخدمة مصالح دول أخرى.

ب- نزاعات سياسيَّة وجغرافيَّة وقوميَّة في بلدان مجاورة كانت لها تداعيات عندنا.

ج – عدم صفاء علاقة سوريا بلبنان لجهة أرضه أو السُّلطة أو حدوده الدَّوليَّة. فغالبًا ما كانت نزاعات.

د – ارتداد نشوء دولة إسرائيل على لبنان لاسيَّما على أمنه القوميّ، الحدوديّ والدَّاخليّ، والتَّسبُّب بمجيء اللَّاجئين الفلسطينيِّين إليه.

عولجت هذه النِّزاعات بحلولٍ سطحيَّة ومؤقَّتة إلى أن تعدَّلَ الدُّستور بعد اتِّفاق الطَّائف 1989 بانتقال السُّلطة التَّنفيذيَّة من رئاسة الجمهوريَّة إلى مجلس الوزراء مجتمعًا وباعتماد المناصفة العدديَّة في المجلس النِّيابيّ. أَوقفَت جميع هذه التَّسويات السِّياسيَّة والدستوريَّة الحرب لكنَّها لم توقف الصِّراع، لا بل تفاقم بعد كلِّ تسوية، إذ تضمَّنت التَّسويات في طيَّاتها بذور نزاعاتٍ مستقبليَّة. فأصبح لبنان وطنًا تتنازع مكوِّناته على أدوارها في حكمه، وساحةً “لحروب الآخرين” على أرضه.

فإذا لم تُعالَج أسباب هذه النِّزاعات في العمق، ستتواصل النِّزاعات والحروب، ونصل إلى إحدى الحالات الثَّلاث: إمَّا أن تتسلَّط طائفةٌ على الآخرين بقوَّة السِّلاح وتضع يدها على الدَّولة وتهدِّد جيرانها والتَّوازن الإقليميّ، وإمَّا أن يبقى لبنان دولةً فاشلةً مشرَّعةً وفاقدةَ الوزن والاستقرار، وإمَّا أن يُقرِّر الآخرون إعادة النَّظر بالكيان اللُّبنانيّ في إطار تغييرات الشَّرق الأوسط خلافًا لإرادتنا بالوحدة والعيش معًا. فطرَحنا نظام الحياد لتفادي هذه الحالات، ولتثبيت السِّيادة والاستقرار.

ويرى أن لبنان  واقتصاده يستفيدان من نظام الحياد في أمرين أساسيَّين:

ينقذ وحدة لبنان أرضًا وشعبًا ويحيي الشَّراكةَ الوطنية المسيحيَّة ــــ الإسلاميَّة المتصدِّعَة في كثيرٍ من الأمكنة. مع حياد لبنان تستعيد طوائفه الـثَّماني عشرة أمنها واستقرارها، وتثق ببعضها البعض بعيدًا عن الصِّراعات، وتساهم في استقرار المنطقة والسَّلام في العالم.

يجعل مشاركة جميع المكوِّنات اللُّبنانيَّة أكثر ليونة وإيجابيَّة، إذ يُعطِّل الانحيازَ والجنوح في ممارسة الصَّلاحيَّات والسُّلطة أيًّا تكن هويَّة المسؤول السِّياسيَّة والطَّائفيَّة.

كما يستفيد اقتصاد لبنان في أكثر من قطاع، ويُعزِّز بفضل الاستقرار والأمن ومقدِّرات اللُّبنانيِّين على مستوى الثَّقافة والخبرة وروح الإبداع. نذكر هنا سبعة قطاعات خاصَّة بلبنان تُعزِّز اقتصاده، هي:

ـ القدرات المصرفيَّة والماليَّة والخبرة الطَّويلة في هذا المجال تجعل من لبنان خزنة الشَّرق الأوسط. ذلك أنَّ الاستقرار والأمن يولِّدان الثقة.

ـ المستوى الطبّيّ والاستشفائيّ العالي والمعدَّات الطبيَّة هي ذات نوعيَّة. لبنان أقرب للشَّرق الأوسط من أوروبا والولايات المتَّحدة الأميركيَّة واللُّغة العربيَّة عنصرٌ أساسيّ. لذا يُشكِّل لبنان مركزًا طبّيًّا للشرق الأوسط وله سلسلة فنادق تُسهِّل لأهل المرضى مرافقتهم.

ـ لبنان مركز سياحيّ للشَّرق الأوسط وللعالم، إذا تأمَّن فيه الاستقرار والأمن. فما يحتوي لبنان من ميزات سياحيَّة يجعل منه مركزًا جذَّابًا. هذا بالإضافة إلى الفنادق والمنتجعات البحريَّة والجبليَّة والمطاعم.

ـ لبنان مركز تعليم وتربية للشَّرق الأوسط بفضل مستواه العالي التَّقليديّ، وبخاصَّة على المستوى الجامعيّ. الأهالي العرب يفضِّلون لبنان على أوروبا والولايات المتَّحدة الأميركيَّة. وبهذه الصِّفة يساهم لبنان في بثِّ روح التَّفاهم والسَّلام.

ـ لبنان باستقراره وأمنه يجتذب المنتشرين للعودة والاستثمار في مشاريع متنوِّعة. وبذلك يوفِّرون فرص عمل، ونموّ، ونوعيَّة حياة سادت لبنان بين الخمسينات وبدايات السَّبعينات الماضية.

يستفيد لبنان من الحياد بفضل انتمائه إلى العالم العربيّ، وموقعه على ضفَّة المتوسِّط ودوره وحضارته التَّاريخيَّين.

وبفضل كلِّ ذلك يتحوَّل لبنان محور الاتِّحاد المتوسِّطيّ والمكان الذي تتقاطع فيه مصالح جميع الأطراف. فالشَّراكة الأوروبيَّة والاتِّحاد المتوسِّطيّ مشروعان حيويَّان للبنان. إنَّ فكرة الاتِّحاد المتوسّطيّ تقع في قلب رؤية مستقبليَّة، ويحمل هذا “الاتِّحاد” قدرة فعليَّةً على خلق منظومةِ قيمٍ جديدةٍ وقوَّةٍ سياسيَّة واقتصاديَّة وثقافيَّة وملاحيّة في هذه المنطقة الاستراتيجيَّة من العالم. كما يجعل أوروبا أكثر ارتباطًا بالعالم العربيّ وأكثر حرصًا على مصالحه وبالتَّالي أقلّ اندفاعًا في الدِّفاع عن إسرائيل وتكشف المذكرة عن ما يحتاجه لبنان هي دعوة الأسرة العربيَّة والدَّوليَّة الى أن تتفهَّم الأسباب الموجبة التَّاريخيَّة والأمنيَّة والسِّياسيَّة والاقتصاديَّة والثَّقافيَّة والحضاريَّة التي تدفع غالبيَّة اللُّبنانيِّين إلى اعتماد “الحياد النَّاشط”، وأن تُقِرَّ منظَّمة الأمم المتَّحدة في حينه نظام الحياد بأبعاده الثَّلاثة:

الأوَّل، إنَّ لبنان نشأ وسار على خطِّ الحياد وعدم الانحياز منذ تأسيسه حتَّى سنة 1969 مع “اتِّفاق القاهرة ” الذي سمح للَّاجئين الفلسطينيِّين بامتلاك السِّلاح الثَّقيل ومحاربة إسرائيل من الأراضي اللُّبنانيَّة، وما تبع ذلك من ظهور قوى عسكريَّة لبنانيَّة وغير لبنانيَّة خارجة عن الدَّولة.

الثَّاني، إنَّ لبنان بحكم نظامه الديمقراطيّ واللِّيبراليّ، وميزة تعدُّديَّته الدِّينيَّة والثقافيَّة المنظَّمة في الدُّستور والميثاق الوطنيّ، وبحكم موقعه على ضفَّة البحر المتوسِّط بين الشَّرق وأوروبا، هو صاحب دورٍ في تعزيز السَّلام والاستقرار في المنطقة والدِّفاع عن حقوق الشُّعوب، ووساطة التَّقارب والمصالحة بين الدُّول العربيَّة، وتقديم مساحة لحوار الأديان والثَّقافات والحضارات.

الثَّالث، إنَّ لبنان القائم على التَّعدُّديَّة والتَّوازن بين مكوِّناته يحتاج ليستمرَّ أن تجد منظَّمة الأمم المتَّحدة مع الدُّول المعنيَّة حلًّا لوجود نحو نصف مليون لاجئ فلسطينيّ ونحو مليون ونصف المليون نازح سوريّ على أراضيه. فالحياد الناشط الذي هو في اساس الكيان اللبناني وقد ولد بالتعددية وبالمواطنة والولاء للوطن وليس للدولة واعتماد ما قاله البطريرك الحويك بان لبنان طائفة واحدة اسمها “لبنان”  وكل الطوائف تشكل نسيجها الاجتماعي وكل البيانات الحكومية من 1943الى 1980 تتحدث عن الحياد “لا شرق ولا غرب ” ولبنان يجب ان يكون دولة مساندة وليس دولة مواجهة ويشكل عنصر تضامن بين العرب وليس عامل تفكيك وتغذية للنزاعات العربية والخروج عن التضامن العربي لصالح استراتيجيات تخدم انظمة غريبة ولا تخدم المصالح العربية المشتركة.

ولا يريد البطريرك الراعي الدخول في ما حصل بعد اتفاق الطائف وحل الميلشيات وبقاء اسرائيل في مزارع شبعا وبقاء سلاح حزب الله وحده ولكن يجب ان يصدر قرار رسمي داخلي وخارجي بان لبنان غير قابل للحياة اذا لم يعتمد نظام الحياد وسيذهب الى الزوال في حال عدم اعتماده لأن كل اللبنانيين باتوا على الحضيض اقتصاديا واجتماعيا.


مواضيع ذات صلة


 

Post Author: SafirAlChamal