ككل سنة، يعود النزاع بين أهالي الضنية وبشري حول القرنة السوداء والمشاعات والمراعي المحيطة بها ومياه نسافات الثلج، وأحقية كل طرف بملكيته لها، إلى البروز مجدداً، حتى بات مطلع كل صيف موعداً لتجدد هذا النزاع، الذي يصل أحياناً إلى حدّ حصول تعديات وإشكالات تدفع الجيش والقوى الأمنية إلى التدخل لاحتوائها.
هذه التعدّيات التي تعقبها إشكالات، تمثلت مؤخراً في حرق جرافات وقطع ″نباريش″ مياه يعمل مزارعون، في جرد النجاص في أعالي الضنية، على استجرار مياه نسافات الثلج عبرها إلى أراضيهم الزراعية، التي يعمل فيها ويعتاش منها صيفاً قرابة 600 عائلة، بعد تجميعهم المياه في برك ترابية مغلفة من الداخل بالنايلون لمنع تسربها، كون المنطقة خالية من مياه الأنهر والينابيع.
في العام الماضي وبعد تكرار وقوع الإشكالات التي تطوّرت إلى تبادل لإطلاق النار بين مواطنين ورعاة ومزراعين من المنطقتين، دفعت الجيش ومحافظ الشمال رمزي نهرا للتدخل وتهدئة الوضع، جرى التوصل إلى اتفاق مؤقت قبل بتّ النزاع نهائياً، لكن الأمور سرعان ما عادت إلى نقطة الصفر مطلع هذا الصيف بعد إشكالات وقعت بين أفراد من المنطقتين على تخوم القرنة السوداء.
في 5 تموز الجاري زار النائب أحمد فتفت رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع لمعالجة الموضوع، وأعلن بعد اللقاء أنه ″تم الإتفاق على ثلاثة أسس: الأول أن القوى الأمنية، ولا سيما الجيش اللبناني، أجرى إتفاقاً مع الأهالي نلتزم به جميعنا، وكلف الجيش تنفيذه ورعايته. والثاني تواجد الجيش اللبناني بشكل دائم في منطقة القرنة السوداء خلال فترة الإشكالات. أما الثالث فهو سعينا لحل هذه المشاكل بشكل نهائي، من توريد مياه وترسيم الحدود بين بلدتي بقاعصفرين وبشري″.
غير أن زيارة فتفت إلى جعجع لم توقف التعدّيات والإشكالات، ما دفع وفد من بلدية بقاعصفرين، برئاسة رئيس البلدية سعد طالب، ومخاتير البلدة وفاعلياتها، إلى زيارة الوزير السابق فيصل كرامي، أمس، ووضعوه في الأجواء، مطالبين بـ″وضع حدّ لهذه الإعتداءات السنوية من بعض العناصر البشراوية، قبل أن تفلت الأمور وتقع فتنة تضر بالجميع″.
هذا الوضع دفع كرامي إلى التحذير من ″تمادي عناصر متفلتة تابعة لحزب القوات اللبنانية في الإعتداء على نباريش سحب المياه في جرود بقاعصفرين″، طالباً من ″السلطة السياسية ومخابرات الجيش التدخل لوأد الفتنة عبر ترسيم الحدود بين منطقتي الضنية وبشري″، ومنبهاً بـ″أننا لن نسكت بعد اليوم″.
واعتبر كرامي أن ″هذا الموضوع يؤثر بشكل سلبي على البيئة، لأنه يقطع المياه عن حوالي 600 عائلة في الضنية وكذلك عن المزروعات، وأيضاً يؤدي إلى شحن وتوتر بين المناطق وبين العائلات، والأسوأ أنه قد يؤدي إلى شحن طائفي″.
ولفت كرامي إلى أن ″هذه السنة الموضوع زاد عن حدّه، وهذه العناصر الميلشياوية واضح أنها تأخذ نفساً من خلال السلطة السياسية حتي تقوم بهكذا أعمال، وحتى أنهم قاموا بقطع خراطيم المياه، وحرق الجرافات″، مطالباً ″السلطة السياسية ومخابرات الجيش بالتدخل سريعاً لوأد هذه الفتنة وإلا ستتفلت الأمور بين منطقتين عزيزتين علينا جداً، وترسيم الحدود بين المنطقتين، والحدود واضحة، ونحن في هذه المنطقة المظلومة والمحرومة التي لم تنل حصتها من الإنماء من الدولة اللبنانية، لن نسكت بعد اليوم″.
قضية ترسيم الحدود الإدارية بين القضاءين، وحسم من يمتلك الحق في القرنة السوداء ومشاعاتها، كانت بلدية بقاعصفرين قد أثبتت مراراً أنها تملك كل الخرائط والوثائق العقارية، فضلاً عن خرائط الجيش اللبناني، التي تثبت أن القرنة السوداء بأكملها مع مساحات واسعة من محيطها بقطر دائري يصل إلى نحو خمسة كيلومترات، تقع ضمن خراج بقاعصفرين، إلا أن القضية تحتاج لإنهاء النزاع حولها أن يثبت القاضي العقاري هذا الأمر، وهو أمر دفع البلدية العام الماضي الى تكليف فريق من المحامين متابعة هذا الملف حتى النهاية.
بالمقابل، يستند الطرف الآخر في بشري في اعتراضه على مد نباريش مياه الثلج إلى قانون يمنع إستغلال المياه في المناطق التي ترتفع فوق سطح البحر أكثر من 2400 مترا، حرصاً على البيئة ومخزون المياه الجوفية، كما أن هناك مشاعات من الأراضي بين بشري والضنية غير محددة بعد من قبل القاضي العقاري، بل يتم تقاسمها إستناداً إلى عرف قديم يعود إلى أيام الأجداد.




