من النَزِف إلى البَتْر.. هل يتجه لبنان نحو تطبيع الاحتلال؟.. بقلم العميد منذر الأيوبي

لم يعد المشهد الجنوبي يتصدر النشرات اليومية في كثير من وسائل الإعلام؛ تحولت الاعتداءات، أعداد الضحايا والشهداء مقاطع عابرة ضمن الحصص الإخبارية، في مشهدٍ يُنذر بتحول المأساة اعتيادآ صامتآ. 

ومع اتساع عمليات الجرف والضم وهدم المنازل وإزالة معالم البلدات، تجاوزت المخاوف حجم الدمار المادي إلى جوهر التحولات التي بدأت تترك بصماتها، وما تفرضه من تساؤلات حول إمكانية عودة السكان واستمرار الوجود الوطني في المناطق المتضررة.

 

هنا يعود عامل الزمن ليفرض خشية إنتقال من مرحلة “النَزف” إلى مرحلة “البتر”. فالنزيف، وإن طال، يبقى قابلاً للاحتواء والتعافي ما دامت مقومات الحياة وإمكانات العودة قائمة. 

وإذا كانت الأرض لا تفقد ارتباطها بأهلها سواءّ بقرار سياسي أو باحتلال متمادٍ؛ إلا ان الانفصال يبدأ يوم يتحول المنع الميداني تحريمآ دائما. حينها يصبح النزوح المؤقت انقطاعاً طويل الأمد.

 

تزداد خطورة المشهد مع الصمت الدولي والإصطبار الرسمي إزاء قرار تكريس أجزاء من الأراضي المحتلة مناطق أمنية “صفراء” أو “رمادية” عازلة او خاضعة لقيود ممتدة، رابطآ أي انسحاب ولو على مقياس المناطق التجريبية بشروط تعجيزية. هذا الأداء لا يحتاج نص اتفاق سري؛ فتصريحات المستوى السياسي وتحركات الجيش الاسرائيلي تكفي لفهم النوايا.

 

كما ترتفع حساسية هذا المسار مع انتهاء مهام قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)؛ لتزداد الريبة افتراض نظرية مؤامرة، ولتزداد التساؤلات عن طبيعة المرحلة التي ستلي، ومدى توافر ترتيبات فعالة تضمن استمرار المراقبة والتنسيق الأممي. وتتضاعف خطورة المشهد إن ترافق غياب الوجود الدولي مع استمرار الاعتداءات واستهداف المدنيين، ما يوسع الفجوة بين السيادة الشرعية والقدرة على ممارستها فعلياً.

 

إضافة لما تقدم إن محدودية الخيارات العسكرية لا تعفي الدولة من مسؤولية بناء مسار سياسي ودبلوماسي واصل الصلابة؛ يربط بدء التفاوض بوقف إطلاق النار، ومتابعة جلساته بالكفِ عن التدمير، لتترجم التفاهمات المبدئية بعودة السكان عبر خطوات تبادلية متزامنة: انسحابات لجيش الاحتلال يقابله توسع بقعة انتشار الجيش اللبناني وفرض السيطرة الميدانية الكاملة ومنع أي وجود مسلح غير شرعي، بما يُكرس اتفاق الهدنة لعام 1949 كمرجعية قانونية ضامنة للهدوء على طرفي الحدود.

 

أما في مسألة التنازلات السياسية وجدواها؛ فان كان التفاوض ضرورة فرضته موازين القوى، فإن نجاحه لا يُقاس بمجرد انعقاده أو بما يصدر عنه من بيانات وتفاهمات تجريبية، لا يأبه بها العدو ولا يضمن تنفيذها الكفيل الاميركي او الدولي، ما يجعل النتائج دخانية لا طائل منها.

 

ثم ان الجدية والنجاعة الدبلوماسية قد تتطلبان أحياناً “مرونة تكتيكية” لكنها تبقى مرحلية دقيقة ومحسوبة الأثر، تلافي تحولها تنازلات مجانية. فغياب الضمانات يترك مسافة هشة بين الالتزامات السياسية والواقع الميداني، ويجعل من الصعب تقييم ما إذا كان المسار المتبع يقرّب لبنان من استعادة سيادته أم يكتفي باحتواء الأزمة مؤقتاً على حساب أرضه.

وما يجب الحذر منه ان العدو لن يعلن اقتطاع الأرض او فرض الوصاية عليها رسمياً، بل يمارس قضمها فعليآ، تاركآ لعامل الوقت التكفل بتآكل وحدة المجال الوطني؛ وعندما يصبح استمرار الوجود العسكري أمراً معتاداً، يُختزل الحل في “إدارة المخاطر” بدلاً من “إنهاء الاحتلال”.

 

من جهة أخرى، لا تنتهي مسؤولية المجتمع الدولي بانتهاء مهمة اليونيفيل؛ فالقرارات الدولية أدوات شرعية قابلة للتطبيق العملي وفق آليات تنفيذ محددة. ومستقبل الجنوب لا يمكن اختزاله في ترتيبات أمنية تتجاهل عودة الأهالي إلى القرى والبلدات وممارسة حياتهم الاجتماعية والاقتصادية وحقوقهم التاريخية؛ وإلا فإن الخرائط ستبقى لبنانية من الناحية القانونية والورقية فقط.

 

ولعل الأخطر تزامن الضغوط الخارجية مع مواقف داخلية تُشرذم ولا تَجمع، تَستخف بحجم الخطر، أو تَنشغل بسجالات حزبية وفئوية ضيقة لا توازي خطورة الدقيقة الحالية. فالنزيف في أي جزء من الجسد الوطني لا يمكن التعامل معه بوصفه شأناً هامشياً، كما لا يمكن اعتبار استمرار الحياة في بقية أعضائه مبرراً للتغاضي عن احتمال فقدان ذلك الجزء الحيوي.

 

ختاماً؛ الأرض لا تُصان بالاعتراف الدولي فقط، بل بالزود عنها وحفظ بقاء الحياة فيها أهلاً ونبتاً وعملاً. ليس السؤال اليوم ما إذا كان الجنوب سيبقى جرحاً ينزف، بل ما إذا كان لبنان يمتلك الرؤية والأدوات والإرادة السياسية اللازمة لمنع تحول هذا النَزف إلى بتر دائم، وبالتالي منع استمرار الاحتلال من أن يصبح مدخلاً لتطبيع نتائجه الميدانية.

 

الكاتب: العميد منذر الأيوبي

عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب.

 

Post Author: SafirAlChamal