“فكرة” راودت المهندس روي بو ناصيف، جمع تفاصيلها من واقع المشاكل الكثيرة التي تعيق التواصل ما بين المواطن وبلديّته المعنيّة، ومن تجربته الخاصّة جرّاء قضاء فترة من عمره في أوستراليا..حوّلها إلى منصّة Baladi map يمكن لها أن تسقط الكثير من الحواجز والعوائق، علّ ذلك يحوّل تذمّر المواطنين إلى “شكوى موثّقة”، ويجعل الفرصة متاحة أمام البلديات كي تعالج المشكلات وإيجاد الحلول المناسبة.
كيف نشأت الفكرة، وما هي الآليّة المعتمدة، وكيفيّة الربط بين المشكلة والحل؟ عن كلّ ذلك، يتحدّث المهندس روي بو ناصيف الذي أراد الإنتقال من النظريّة إلى التطبيق..فكانت هذه المنصّة.
الفكرة؟
– كيف نشأت فكرة ربط المواطنين بالبلديّات من خلال منصّة Baladi Map؟
انطلقت الفكرة من مشهد مألوف لدى معظم اللبنانيين: مواطن يلتقط صورة لمشكلة في شارعه، يرسلها عبر مجموعات «واتساب»، يتفق الجميع على أنّ الوضع غير مقبول، ثمّ تمضي الأيام وتختفي الصورة فيما تبقى المشكلة من دون معالجة. المشكلة لم تكن يوماً في غياب الشكوى، بل في أنّ الشكاوى كانت تُرسل عبر وسائل لا تحفظها ولا تتيح متابعتها بصورة منتظمة.
وفي الواقع، لم يكن في لبنان سجلّ عام وموثّق يتيح متابعة المشكلات ضمن النطاقات البلدية بشكل واضح ومستمر. وبحكم عملي كمهندس، وإقامتي خلال جزء من طفولتي في أستراليا، أتيحت لي فرصة الاطلاع عن قرب على كيفية تعامل السلطات المحلية هناك مع ملاحظات المواطنين وشكاواهم.
من هنا جاءت فكرة Baladi Map: منصّة موحّدة توثّق كلّ مشكلة بصورة وتاريخ وموقع جغرافي، وتبقيها متاحة للعلن إلى حين معالجتها.
الهدف من المنصّة ليس توجيه الاتهامات أو مهاجمة أيّ جهة، بل إعطاء المواطن وسيلة موثوقة وموثّقة لإيصال صوته، وفي المقابل منح البلديات أداة تمكّنها من إظهار ما تمّ إنجازه، أو توضيح ما يقع خارج نطاق صلاحياتها. وبهذه الطريقة تصبح المسؤوليات أكثر وضوحاً لدى الطرفين، وتنتقل المحاسبة من إطار الانطباعات والوعود إلى الوقائع والأرقام.
كيف نستخدم المنصّة؟
– كيف يمكن للمواطن استخدام المنصّة؟ وهل تغطّي شمال لبنان فقط أم مختلف المناطق اللبنانية؟
صُممت آليّة الاستخدام لتكون بسيطة ومتاحة للجميع، ولا تستغرق أكثر من دقيقة. يكفي أن يلتقط المواطن صورة للمشكلة، ثمّ يرسلها عبر الموقع الإلكتروني baladimap.com، أو من خلال التطبيق المتوافر باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، أو حتّى عبر رسالة «واتساب» على الرقم +961 76 101 062، بالسهولة نفسها التي يرسل بها صورة إلى أحد معارفه.
لا يحتاج المستخدم إلى إنشاء حساب، وتبقى هويّته مجهولة، كما يتمّ إخفاء الوجوه ولوحات أرقام المركبات تلقائياً حفاظاً على الخصوصية. كذلك، لا يتمّ نشر أيّ بلاغ قبل مراجعته والتحقّق منه.
والخدمة مجّانية بالكامل، من دون إعلانات أو اشتراكات، ولا ترتبط بأيّ جهة أو انتماء سياسي.
أمّا بالنسبة إلى نطاق التغطية، فالمنصّة تشمل جميع المناطق اللبنانية من دون استثناء. وتضمّ قاعدة بياناتها نحو 1,100 بلدية من عكار إلى بنت جبيل، ولكلّ بلدية صفحة خاصّة بها، فيما تتوزّع البلاغات المنشورة حاليّاً على عشرات البلدات والمدن في مختلف المحافظات اللبنانية.
شفافيّة وعلنيّة!
– كيف يمكن التأكّد من وصول الشكوى إلى البلديّة المعنيّة ومن متابعتها فعليّاً؟
الضمانة الأولى هي الشفافية والعلنية. فكلّ بلاغ يتمّ نشره على الخريطة العامة مرفقاً بالصورة والتاريخ والموقع، ويبقى متاحاً أمام الجميع، بما في ذلك البلدية المعنية، إلى حين معالجة المشكلة. وبذلك لا يمكن للبلاغ أن يختفي أو يُطوى بعيداً عن المتابعة، لأنّ السجلّ علني ودائم.
أمّا الضمانة الثانية فتتمثل في الحسابات الرسمية المخصّصة للبلديات على المنصّة. وقد بدأنا بالفعل بربط المجالس البلدية مباشرة بـ Baladi Map، وهناك حالياً بلديتان تمتلكان صلاحيّة وصول رسمية تتيح لهما الاطلاع على جميع البلاغات الواقعة ضمن نطاقهما، والرد عليها بصورة علنيّة. ونعمل تدريجيّاً على توسيع هذه الآليّة لتشمل مختلف البلديّات اللبنانية.
والأهم أنّ عملية المتابعة نفسها موثّقة. فالبلدية تستطيع الإعلان عن معالجة المشكلة، أو توضيح أنّها تقع خارج نطاق صلاحياتها، إلّا أنّ التأكيد النهائي على أنّ المشكلة قد حُلّت فعلياً يبقى بيد السكان أنفسهم.
فلا يُعتبر البلاغ منجزاً إلّا بعد تأكيد المواطنين على الأرض أنّ المشكلة تمّت معالجتها. وبهذه الآليّة تتحوّل المتابعة من مجرّد وعد أو تصريح إلى سجلّ عام وموثّق، يستطيع أيّ مواطن الرجوع إليه والتحقّق منه في أيّ وقت.




