مفاوضات روما 2: تيتي تيتي.. متل ما رحتِ متل ما جيتِ.. غسان ريفي

انتهت الجولة الثانية من مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل من دون أي نتائج يمكن للبنان أن يبني عليها أو يعتبرها خطوة نحو تنفيذ ما يطالب به منذ أشهر، وفي مقدمة ذلك وقف الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. 

بل إن هذه الجولة بدت وكأنها انعقدت لزوم ما لا يلزم، بعدما جاءت مخرجاتها أقرب إلى تثبيت الوقائع التي فرضتها إسرائيل بالنار، لا إلى البحث في حلول أو تسويات تفتح الباب أمام تنفيذ اتفاق الإطار.

 

منذ اليوم الأول للمفاوضات، بدا واضحاً أن إسرائيل لا تتعامل معها وفق الأصول المتعارف عليها في أي عملية تفاوضية، بل باعتبارها منصة إضافية للضغط على الجانب اللبناني. وقد ظهر ذلك في اليوم الثاني، حين تزامنت جلسات التفاوض مع تصعيد ميداني واسع وإصدار إنذارات بالإخلاء في بلدة المنصوري، في رسالة مباشرة مفادها أن التفاوض يجري تحت النار وأن تل أبيب تريد فرض شروطها بالقوة لا عبر الحوار.

 

ولم تمنح إسرائيل أي أهمية للمطالب اللبنانية الأساسية، فقد رفضت وقف إطلاق النار، ورفضت الانسحاب، كما تهربت من تقديم أي موقف واضح حيال توسيع ما يسمى “المناطق التجريبية”، مكتفية بالمماطلة وإبقاء الأمور في دائرة الغموض. 

أما الحديث عن إحراز تقدم في بعض الملفات التقنية، ولا سيما ما يتعلق بترسيم الحدود، فلم يكن سوى محاولة لذر الرماد في العيون، لأن السؤال الجوهري بقي من دون جواب: أي حدود يجري الحديث عن ترسيمها؟ هل هي حدود المنطقة الأمنية المستحدثة التي تسعى إسرائيل إلى فرضها؟ أم الخط الأزرق؟ أم خط الهدنة؟ وكيف يمكن الحديث عن ترسيم في ظل استمرار الاحتلال ورفض إسرائيل الاعتراف بأي حق لبناني أو تقديم أي مكسب للدولة اللبنانية؟

 

وكشفت مفاوضات روما 2 أن السلطة اللبنانية أصبحت واقعة بين فكي كماشة. 

الأول إسرائيلي لم يكتف بإدارة المفاوضات تحت النار، بل تعمد رفع مستوى التصعيد خلال انعقادها، بما كاد يؤدي إلى نسفها بالكامل. والثاني أميركي، بعدما انتقلت واشنطن عملياً من موقع الراعي أو الضامن إلى موقع إعادة تفسير الاتفاق بما يتلاءم مع المصالح الإسرائيلية.

 

وما يعزز ذلك، هو أنه كلما طالبت السلطة اللبنانية بتنفيذ البنود التي سبق الاتفاق عليها، واجهتها واشنطن وتل أبيب بشروط إضافية. 

مرة تحت عنوان نزع سلاح حزب الله، ومرة بحجة عدم قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ المهام المطلوبة منه، ومرة ثالثة بحجة عدم توافر الضمانات الأمنية التي تطالب بها إسرائيل. وهكذا يتحول الاتفاق إلى نص متحرك تتبدل شروطه باستمرار، فيما يبقى المطلوب من لبنان تنفيذ التزاماته كاملة ومن دون أي مقابل.

 

وتشير المعطيات إلى أن الإدارة الأميركية اتخذت قراراً واضحاً بعدم ممارسة أي ضغط فعلي على بنيامين نتنياهو في هذه المرحلة، بل توفير الغطاء السياسي اللازم له عشية الاستحقاقات الانتخابية. 

وقد عززت ذلك تسريبات ومواقف أميركية أوحت بأن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب غير وارد في الظروف الراهنة، مع التركيز على سردية تتحدث عن عجز الدولة اللبنانية عن الوفاء بالتزاماتها، بما يبرر استمرار الاحتلال ويمنح إسرائيل الذرائع اللازمة لمواصلة اعتداءاتها.

 

لذلك، فإن حصيلة روما 2 لا يمكن اختصارها إلا بالمثل الشعبي القائل: “تيتي تيتي.. متل ما رحتِ متل ما جيتِ”. بل ربما أسوأ من ذلك، لأنها كرست مجموعة من الوقائع السياسية الخطيرة، لجهة:

 

أولاً، أكدت أن إسرائيل لا تملك أي نية حقيقية للانسحاب من الأراضي اللبنانية أو وقف اعتداءاتها، وأن ما يجري ليس أكثر من عملية شراء للوقت ومحاولة من نتنياهو لاستثمار الدم اللبناني في حساباته السياسية والانتخابية.

 

ثانياً، أظهرت أن الولايات المتحدة التي قدمت نفسها راعياً وضامناً للاتفاق باتت أقرب من أي وقت مضى إلى تبني الموقف الإسرائيلي بالكامل، سواء في مقاربة الملفات الأمنية أو في التعامل مع المطالب اللبنانية.

 

ثالثاً، أكدت أن واشنطن لم تعد مستعدة لاستخدام نفوذها للضغط على إسرائيل من أجل تنفيذ الاتفاق، مكتفية بتبني المبررات الإسرائيلية لاستمرار الاحتلال والاعتداءات.

 

رابعاً، أثبتت أن السلطة اللبنانية أنها لم تتمكن منذ انطلاق المفاوضات المباشرة من تحقيق أي اختراق أو انتزاع أي مكسب، بعدما دخلت العملية التفاوضية مجردة من عناصر القوة، ومنفصلة عن التحولات الإقليمية الأوسع، ولا سيما المسار الأميركي ـ الإيراني الذي كان يمكن أن يوفر لها هامشاً أكبر للمناورة.

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal