لماذا ترفض السلطة الاعتراف بفشل مسار التفاوض؟.. الاستراتيجية الوطنية الخيار الاوحد لتحقيق السيادة.. وسام مصطفى

تصرّ السلطة اللبنانية على انتهاج مسار تفاوضي مع العدو الصهيوني بما يُنذر بمصير أسود لمستقبل السيادة الوطنية وحقوق لبنان التاريخية والسياسية والحدودية، ولم يكن الدخول في هذا النفق سوى نتيجة منطقية لتخلي السلطة السياسية عن القواعد الرئيسية التي حمت لبنان لعقود، واستبدالها بفرضية صريحة تعلن العجز المسبق ومحاصرة الذات بذرائع من قبيل “عدم القدرة على المواجهة”، ومقولة أن “المواجهة المسلحة لا تنتج سوى الموت والدمار وأن الدبلوماسية المجردة هي الخيار الوحيد المستدام”. 

إلا أن وقائع الميدان وتطورات المشهد السياسي، منذ اللحظة التي انقلبت فيها السلطة على تفاهماتها الوطنية وتفردت بقرار التفاوض المذلّ مع المحتل، أثبتت حقيقة حاسمة، وهي أن السياسة المتجردة من عناصر القوة الميدانية والردع لا تنتج حلاً دبلوماسياً، بل تحول الدبلوماسية إلى آلية لتنفيذ شروط الإذعان ومصنع متواصل للتقديمات المجانية.

 

فخ التفاوض والرهانات الخاطئة

الخلل الأساسي الذي وسم سلوك السلطة منذ البداية يتجسد في التخلي الطوعي والمجاني عن أوراق القوة اللبنانية، فالقاعدة السياسية والتاريخية المحايدة في علوم النزاعات توضح أن المفاوضات على الطاولة ليست سوى انعكاس دقيق لموازين القوى على الأرض، فعندما تدفع السلطة باتجاه خيار التفاوض المباشر أو غير المباشر بما يُظهر الضعف والالتزام بعدم المواجهة والتنصل من الردع، فإنها بذلك تُقدم للعدو الإسرائيلي هدية مجانية تُشجعه على التعنت ورفع سقوفه الشروطية.

لقد جرى تغليف هذا المسار بوعود وهمية حول قدرة المفاوضات على ضمان الحقوق اللبنانية، واستعادة الأرض المحتلة، وحماية النسيج المجتمعي، غير أن التجربة الملموسة أظهرت عقم هذا المفهوم؛ فالدبلوماسية التي تتكئ على وهم الاستجلاب المباشر للحقوق من طرف يُعرف بنهجه العدواني والتوسعي وسلوكه القائم على الفرص الجيوسياسية، لم تكن سوى واجهة لشرعنة الضغوطات المستمرة، وحشر الإرادة الوطنية في زاوية التنازل المتدرج.

وفي مقابل الاستسلام والتنازل المفرط الذي تبديه السلطة، يواصل الكيان الصهيوني سياسة فرض اللاءات الحاسمة والتمدد الميداني المتدرج؛ سواء عبر تعنته المطلق في رفض الانسحاب من الأراضي والمناطق التي تحتلها أو في تقديم أي التزام زمني أو سياسي بالتراجع إلى حدود الحدود الدولية أو الخط الأزرق، كما أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تقتصر على استهداف البنى التحتية والتجمعات المدنية، بل طالت مباشرة الجيش اللبناني، مما عطل تنفيذ الترتيبات المتعلقة بنشر الجيش في ما سُمي بـ “المناطق التجريبية” أو شريط الحماية المفترض، وهو ما أفرغ الترتيبات المعلنة من أي مضمون سيادي. 

ولعل أحد اكثر الأوجه خطراً على السيادة يتمثّل في فرض التغييرات الديموغرافية والجغرافية، حيث يواصل العدو بناء المواقع العسكرية الثابتة والمؤقتة داخل ما يُعرف بـ “الخط الأصفر”، مترافقاً ذلك مع تصريحات متصاعدة لبعض أقطاب الإدارة السياسية والعسكرية الصهيونية تتحدث علناً عن أطماع استيطانية أو مشاريع لإنشاء حزام أمني استيطاني في الجنوب اللبناني.

كل هذه المعطيات تؤكد أن الاستجابة الإسرائيلية للغة الدبلوماسية الفاقدة لأوراق الضغط لم تكن سوى استغلال الوقت لتثبيت واقع جديد على الأرض، تحول دون أي إمكانية لاستعادة الحقوق بالوسائل الناعمة المباشرة.

 

الالتزام الأحادي وعمق الأزمة السياسية

تتبدى الخطورة القصوى في هذه المرحلة من خلال المفارقة الصارخة بين أداء الطرفين، فبينما تُبدي المقاومة التزامها بعدم التصعيد وإتاحة الفرصة أمام المعالجات السياسية، تُصر السلطة على تعنتها وإصرارها غير المبرر على المضي قدماً في المفاوضات دون تحقيق أي نتيجة ملموسة، بل وعلى حساب التفاهمات الوطنية الداخلية، عليه فإن الاستمرار في هذا المسار دون وضع حد أدنى من المراجعة أو استدعاء عناصر الضغط يضع التساؤلات المشروعة حول طبيعة الأهداف المرجوة من التفاوض؛ إذ يتجاوز المشهد فكرة “الفشل الإداري” ليتخذ طابع المسار الذي يخدم عملياً الأجندة الإسرائيلية، عبر إبقاء الجانب اللبناني مقيداً بشرط الهدوء الشكلي وتكبيل قدراته الدفاعية، في مقابل إطلاق يد المحتل لتنفيذ مخططاته الميدانية والسياسية بالكامل.

وبناءً على ما سبق فإن أي مخرج حقيقي من هذا النفق يستلزم صياغة استراتيجية دفاعية وطنية جامعة تتجاوز منطق الاستجداء السياسي وتعتمد على ميزان ردع حقيقي؛ وهنا تتجلى نجاعة خيار المقاومة كركيزة أثبتت التجربة التاريخية الممتدة لعقود أنها السبيل الوحيد الكفيل بلجم الأطماع الصهيونية وفرض التراجعات على المحتل، فلم تكن المقاومة يوماً مجرد خيار تكتيكي، بل شكلت مظلة أمان استراتيجية جعلت كلفة العدوان باهظة على العدو، ومكنت لبنان من تحرير أغلبيّة أراضيه وتثبيت معادلات الحماية والتوازن، وبالتالي فإن تهميش هذه الورقة الرابحة أو محاولة التفريط بها لصالح وعود دبلوماسية جوفاء لا يُفقد الدولة أداة ضغط تفاوضية فحسب، بل يُعرّي الجبهة الداخلية ويجعل السيادة الوطنية تحت رحمة الإرادة الصهيونية المتغطرسة.

إن الاستمرار في طريق أثبتت الوقائع عقمه ليس حكمة سياسية ولا عقلانية دبلوماسية، بل هو هروب من مسؤولية المواجهة الوطنية؛ والسيادة والكرامة الوطنية تقتضيان التوقف الفوري عن الاستنزاف السياسي والتراجع الشجاع عن هذا المسار المأزوم. 

إن العودة إلى الخيارات الوطنية الجامعة تتطلب خطوات عملية متكاملة أهمها:

 – إعادة الاعتبار لمعادلة أوراق قوة لبنان، والتي تكمن في التكامل بين مؤسساته الرسمية والجيش الوطني والالتفاف الشعبي والمقاومة، إذ إن أي تفاوض لا يستند إلى إمكانية الردع والمواجهة يظل مجرد استسلام مقنع.

 – التمسك الأكيد بالثوابت الوطنية، فإن اشتراط أي مسار تفاوضي بالانسحاب الكامل والناجز لجميع قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية المحتلة، ودون الاستجابة لأي شروط أمنية تُنقص من السيادة الوطنية على الحدود والتراب الوطني.

 – تفعيل ملف الأسرى والمعتقلين، من خلال جعل ملف إطلاق سراح جميع الأسرى والمعتقلين اللبنانيين في سجون الاحتلال أولوية قصوى غير قابلة للتجزئة أو التأجيل ضمن أي بحث سياسي أو دولي.

 – التمسك الصارم بحق الدولة والشعب اللبناني في الحصول على تعويضات كاملة عن الأضرار والخسائر الناجمة عن العدوان المستمر، وتوفير كافة الإمكانيات والضمانات الوطنية والدولية لعودة الأهالي الآمنة والكريمة إلى قراهم وبلداتهم الحدودية وإعادة إعمار ما دمره الاحتلال.

 

إن مراجعة المسارات السياسية في لحظات التحول الكبرى لا تعني الاعتراف بالهزيمة، بل تمثل قمة المسؤولية الوطنية والوعي السياسي، فقد برهنت تجربة التفاوض القائمة أن الارتهان لحسن نيات المجتمع الدولي أو استجداء الحقوق من كيان يقوم وجوده على الارهاب والقتل، لن ينتج سوى المزيد من الهوان وضياع الأرض والكرامة. لقد حان الوقت للسلطة اللبنانية أن تتخلى عن تعنتها غير المبرر، وأن تتحلى بالشجاعة الكافية لإغلاق هذا النفق التفاوضي المظلم، والعودة الفورية إلى مربع الإجماع الوطني وتبنّي أوراق القوة الشاملة التي أثبتت تاريخياً أنها الضمانة الوحيدة لصون لبنان، وتحرير أرضه، وحفظ كرامة أبنائه وتضحياتهم.

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal