لبنان بين مفاوضات روما واحتمالات التصعيد.. غسان ريفي

يزداد المشهد اللبناني تعقيدًا مع دخول اتفاق الإطار مرحلة شديدة الحساسية، إذ يتأرجح بين معارضة داخلية تتسع رقعتها، وإصرار رسمي على مواصلة المفاوضات غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي، تحت شعارات استعادة السيادة، وبسط سلطة الدولة، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم، وهي شعارات “ممنوعة من الصرف” في ظل استمرار القصف والاحتلال…

 

وفي موازاة هذا المسار، فرض التوتر المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران نفسه على المشهد اللبناني. فتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستئناف الحرب، وما يتردد في تل أبيب عن استعداد إسرائيل للمشاركة في أي عدوان جديد على إيران، أعادا إلى الواجهة المخاوف بشأن مصير البند الأول من مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، والذي ينص على وقف إطلاق النار في لبنان والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.

 

وتتزايد في الأوساط اللبنانية القناعة بأن أي مواجهة جديدة مع إيران قد تشكل فرصةً لإسرائيل للتنصل من التزاماتها، سواء عبر إسقاط اتفاق الإطار بالكامل والعودة إلى خيار الحرب، أو من خلال الاستمرار في تقويض بنوده تدريجيًا، مستفيدة من غياب أي ضغط دولي فعلي عليها، بما يسمح لها بتثبيت احتلالها وتوسيعه، ولا سيما في ظل المعلومات المتداولة عن تحضيرات لعملية عسكرية تستهدف مرتفعات علي الطاهر.

 

وفي هذا السياق، برز الموقف الرسمي اللبناني الرافض للمشاركة في مفاوضات روما برعاية أميركية، ما لم تلتزم إسرائيل بوقف شامل لإطلاق النار، وتبدأ الانسحاب من بعض القرى المحتلة، في محاولة لوضع حد لسياسة فرض الوقائع الميدانية قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.

 

في المقابل، لا تبدو إسرائيل مستعدة لتقديم أي تنازل، بل تواصل رفع سقف مطالبها عبر السعي إلى إدراج منطقتين جنوبيتين غير محتلتين ضمن جدول المفاوضات، بالتوازي مع ممارسة ضغوط على الجيش اللبناني لدفعه إلى مواجهة المقاومة، والتنسيق الأمني مع الجيش الإسرائيلي تحت عنوان: “تقييم الأداء وتنفيذ الالتزامات”، بما يضع المؤسسة العسكرية أمام معادلة بالغة الخطورة: إما الانزلاق إلى فتنة داخلية، وإما استمرار العدوان الإسرائيلي بذريعة عدم تنفيذ الاتفاق.

 

من هنا، تتجه الأنظار إلى روما وإلى القرار اللبناني النهائي: فهل تتمسك السلطة بموقفها الرافض الذهاب إلى المفاوضات ما لم توقف إسرائيل انتهاكاتها وتبدأ تنفيذ التزاماتها؟ أم أن الضغوط الأميركية، مقرونة باستمرار القصف والاحتلال، ستدفع لبنان إلى المشاركة رغم اختلال موازين الالتزام؟ أم أن تل أبيب ستتخذ من أي موقف لبناني ذريعة لتوسيع عملياتها العسكرية وفرض وقائع جديدة على الأرض؟

 

في موازاة ذلك، تبدو حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محكومة باعتبارات الداخل الإسرائيلي أكثر من أي عامل آخر، فهو يسعى إلى ترميم صورته السياسية وتعزيز شعبيته قبل الانتخابات المقررة في تشرين الأول، من خلال الإيحاء بأنه يُمسك بزمام القرار العسكري في الساحة اللبنانية، وأن توسيع العدوان أو تقليصه، كما استمرار الاحتلال أو الانسحاب، يخضع للحسابات الإسرائيلية وحدها، وليس استجابة لرغبات الإدارة الأميركية أو لضغوطها. ويبقى السؤال: هل سيستثمر نتنياهو التوتر الأميركي ـ الإيراني لتوسيع دائرة التصعيد في لبنان، وكيف سيتعامل مع تصريح ترامب الذي أكد أن إسرائيل ستغادر الأراضي اللبنانية؟

 

وبين زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض، والزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزيف عون إلى واشنطن، وبين ما قد تحمله مفاوضات روما من تطورات، يقف لبنان أمام مرحلة انتقالية دقيقة، يغلب عليها انتظار تبلور التوازنات الإقليمية والدولية. 

وحتى ذلك الحين، يبقى الوقت الضائع سيد الموقف، فيما تظل كل الخيارات مفتوحة، من استمرار المسار التفاوضي إلى انهياره، ومن تثبيت وقف إطلاق النار إلى العودة نحو التصعيد الواسع، ومن الانسحاب الإسرائيلي إلى توسيع الاحتلال.

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal