يبدو أن اتفاق الطائف الذي يشدد الرئيس نبيه بري على تطبيقه كاملاً، ضمن إطار المساعي الجارية لإنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان، بدأ يقضّ مضاجع بعض الأطراف المسيحية ولا سيما القوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع الذي بدا عليه الارتباك عندما سئل عن هذا الموضوع في مقابلته التلفزيونية الأخيرة في برنامج “وهلق شو” مع الزميل جورج صليبي على قناة الجديد.
تُرجم هذا الارتباك في رد جعجع على سؤال ماذا يعني مصطلح “الدولة العميقة”، حيث “فسر الماء بعد الجهد بالماء”، فضلاً عن رفض تطبيق اتفاق الطائف إلا وفق تسلسل البنود التي جاء بها وأولها حصرية السلاح بيد الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها.
دعا جعجع إلى “نزع سلاح حزب الله أولًا، ومن ثم نتحدث في سائر بنود الطائف”، فضلا عن تشديده على ضرورة “معالجة الثغرات التي تتضمنه”
ورأت مصادر سياسية متابعة أن ربط جعجع تنفيذ الاتفاق بنزع السلاح هو محاولة لتلافي تجرّع “الكأس المر”، وهو ما يناقض تصريحات كثيرة سابقة لجعجع حول ضرورة تطبيق الطائف، كانت بحسب هذه المصادر بمثابة “ذر الرماد في العيون”، كونه هو ومن يلف لفه لا يريدون الطائف الذي لم يُنفذ حتى يعرف رئيس القوات ما هي الثغرات التي يجب معالجتها.
ولعل أكثر ما يُقلق جعجع هو أن تُفضي نتائج الحرب التي تشير مواقفه إلى رغبة في أن يتمكن الإسرائيلي من هزيمة المقاومة، إلى جعل تطبيق الطائف أمرًا واقعًا، خصوصا في ظل الحراك السعودي في هذا الإطار، لجهة: تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، واجراء الانتخابات النيابية خارج القيد الطائفي، وإلغاء طائفية الوظيفة مما ينهي معادلة “ستة وستة مكرر”، وتشكيل مجلس شيوخ على أساس طائفي برئاسة درزي.
ويأتي هذا القلق انطلاقًا من شعور جعجع بأن هذه البنود الإصلاحية في اتفاق الطائف من شأنها أن تحدّ من النفوذ المسيحي الذي يسعى إلى مضاعفته من خلال قانون انتخابي هجين أثبت عقمه على دورتين متتاليتين وعزز من الصراع الطائفي، وعبر تراجع حضور الثنائي الشيعي بعد انتصار إسرائيل الذي يأمل أن يتحقق في الحرب.
لذلك ترى مصادر مواكبة أنه عندما يُطرح تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، يبادر جعجع وحلفاؤه إلى ترداد نغمة “الغاء الطائفية من النفوس قبل النصوص”، حيث أثبتت التجارب السابقة والحالية ماذا تحمل هذه النفوس من “عفن طائفي” يكاد في كل مرة أن يودي بالبلاد إلى الهاوية.
عندما سئل الرئيس بري، ماذا تريد من مكاسب للطائفة الشيعية مقابل التخلي عن السلاح في حال توقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي من لبنان، أجاب تطبيق اتفاق الطائف، وسئل وماذا يعطيك تنفيذ الاتفاق، أجاب يعطيني كل شيء.
ويؤكد الرئيس بري في مجالسه، أن تطبيق الطائف هو المدخل الأساس لبناء دولة المؤسسات، وهو يجنبنا في كل دورة انتخابية تفصيل قانون انتخابي على قياس سياسي محدد، ويمنحنا مجلسا نيابيا خارج القيد الطائفي.
يبدو واضحًا أن لبنان مقبل على انقسام جديد حول اتفاق الطائف، مع سقوط بعض الأقنعة التي يريد أصحابها حصر الاتفاق بنزع سلاح المقاومة وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها ولو كان ذلك في ظل العدوان الإسرائيلي واستمرار احتلاله، أما سائر البنود الإصلاحية فغير مرغوب بها، لأن الطائفية كانت وماتزال السلاح الذي يستخدمه هؤلاء وفي مقدمتهم سمير جعجع في معاركهم السياسية.






