يُعد مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه النبض الذي يغذي الاقتصاد العالمي بقرابة خمس النفط المستهلك دولياً؛ ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية يبرز التساؤل حول مبدأ “القانونية” و”السيادة” المتعلقة بضبط وتنظيم حركة هذا المضيق والآثار المترتبة على ذلك.
يطرح الموقف القانوني للجمهورية الإسلامية الإيرانية رؤية متكاملة لا تقتصر على حماية أمنها القومي فحسب، بل تمتد لتشمل استقرار المنطقة، بما في ذلك دول الخليج وصولاً إلى العمق الاستراتيجي في لبنان.
السيادة في مواجهة الفوضى
تستند الرؤية الإيرانية إلى ركائز قانونية صلبة تعيد تعريف خاصّية المرور في زمن النزاعات، فبينما تحاول القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية، فرض نظام “مرور الترانزيت” تؤكد طهران أن هذا النظام ليس قاعدة عرفية ملزمة لها؛ وتستند إلى حقيقة قانونية جوهرية؛ فإيران ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام ١٩٨٢ (UNCLOS) وبموجب القانون الدولي، فإن الدولة التي تعترض باستمرار وبوضوح على قاعدة معينة أثناء تشكّلها لا تلتزم بها، وقد مارست إيران هذا الحق من منطلق أن نظام “المرور البريء” هو المحكم للمضيق، وليس “الترانزيت” الذي يمنح السفن الأجنبية، وخاصة الحربية، حريات واسعة قد تهدد أمن الدولة الساحلية.
سقوط الفرضية الأمنية
تؤكد طهران أن القوانين الدولية لا تُطبق في فراغ أمني، وقد أدّت الاعتداءات المتكررة من الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي تغييراً جذرياً في الظروف، ما يمنح إيران الحق في تعديل إجراءات الإدارة البحرية لمواجهة التهديدات الوجودية.
ولا بد هنا من لفت النظر إلى ازدواجية المعايير ومبدأ التعامل بالمثل، فهناك مفارقة قانونية مستغربة وهي ان الولايات المتحدة تطالب إيران بالالتزام باتفاقية 1982 فيما هي نفسها لم تصدّق عليها!! أما من من منظور “الإغلاق القضائي”، فلا يحق لمن يقبل بقيود في مضائق أخرى أن يعترض على تدابير مماثلة تتخذها إيران لحماية مياهها الإقليمية.
إدارة الملاحة كضمانة للاستقرار
خلافاً للبروباغندا الامريكية – الصهيونية التي تصوّر الإجراءات الإيرانية كـ”تهديد للملاحة”، تؤكد طهران أن الاجراءات التي تتخذها تهدف إلى التنظيم لا المنع؛ فمن الطبيعي أن يتطلب إرساء إطار تنظيمي “تصريحاً مسبقاً” للسفن الحربية أو الغواصات (التي يجب أن تعبر طافية فوق السطح) وهو إجراء احترازي يمنع الحوادث البحرية والاصطدامات في ممر ضيق ومزدحم.
وهذا التنظيم الإيراني يحول دون تحول المضيق إلى ساحة للمناورات العسكرية الاستفزازية التي قد تؤدي إلى إغلاق قسري يضر بالجميع.
وقد يرى البعض في السيادة الإيرانية المطلقة تحدياً، لكن التحليل المنطقي يثبت أنها تصب في مصلحة دول المنطقة لعدة عوامل أهمها:
أولا: تحقيق الأمن الجماعي بعيداً عن الوصاية.. عندما تدير دولة إقليمية كبرى مثل إيران أمن المضيق بفعالية، فإن ذلك يقلص الحاجة للحماية الأجنبية المكلفة والمسيسة. كما أن استقرار المضيق تحت إدارة محلية يقود إلى استقرار تدفقات الطاقة لدول الخليج دون ارتهان للإرادة الدولية التي قد تستخدم أمن الملاحة ذريعةً للتدخل العسكري لغايات الهيمنة والتحكم والسيطرة.
ثانيا: الحماية البيئية.. إن فرض رسوم مقابل خدمات حماية البيئة البحرية يضمن استدامة الثروة السمكية والبيئة التي تشترك فيها دول الخليج كافة، فأي تسرب نفطي ناتج عن حادث لسفينة متمرّدة على القوانين سيكلف المنطقة بأكملها مليارات الدولارات.
ثالثا: وضع حد للعدوان الإسرائيلي.. إن فرض رقابة صارمة على تحركات الكيان الصهيوني وحلفائه في المضيق يمنع تحويل الخليج إلى قاعدة انطلاق لعمليات عدائية، مما يحمي البنى التحتية النفطية في دول الخليج من أن تصبح أهدافاً في صراع إقليمي واسع.
لبنان في المنظور الاستراتيجي
قد يبدو الرابط بين مضيق هرمز ولبنان بعيداً جغرافياً، لكنه في الحسابات الاستراتيجية عضوي بامتياز، حيث تمثل القوة الإيرانية في مضيق هرمز عاملاً استراتيجياً يحمي لبنان من الاستفراد الامريكي – الإسرائيلي تحت عنوان سياسي – طاقوي.
إن إدراك “إسرائيل” بأن أي عدوان ضد لبنان قد يقابل بتعقيدات في شريان الطاقة العالمي (هرمز) يجعل العدو يفكر ملياً قبل الذهاب إلى مواجهات شاملة.
أضف إلى ذلك أن لبنان، الذي يعاني من أزمات حادّة، ويتأثر مباشرة بأي اضطراب في أسعار النفط العالمية، ولا نغفل هنا الحصار الاقتصادي الامريكي – الاسرائيلي للبنان ومنعه من استثمار ثرواته النفطية في البحر والبر.
في موازاة ذلك فإن الإدارة الإيرانية المسؤولة للمضيق تضمن عدم انقطاع الإمدادات، ما يسهم في الحفاظ على استقرار نسبي في أسواق الطاقة التي يعتمد عليها لبنان في استيراده المحدود والحيوي.
إن التمسك الإيراني بحق السيادة البحرية يفتح الباب أمام معادلة ندّية في البحار. فكما تصر طهران على سيادتها على مضيق هرمز، فإنها تدعم حق لبنان في حماية ثرواته الغازية في المتوسط، مما يعزز الموقف اللبناني في مواجهة الأطماع الإسرائيلية في الحقول البحرية.
ما مصلحة دول الخليج والمنطقة؟
يجب عدم قراءة الإصرار الإيراني على ممارسة السيادة الكاملة في مضيق هرمز بمعزل عن المصالح الحيوية لجيرانها في الخليج؛ فعلى الرغم من محاولات الدعاية الغربية تصوير الإدارة الإيرانية للمضيق كعامل قلق، إلا أن الواقع الجيوسياسي يُثبت أن وجود “ناظم إقليمي قوي” هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة، وذلك لأسباب محورية عدة أهمها:
١ـ كسر ارتهان الأمن الإقليمي للأجندات الدولية، فإن دول الخليج تعتمد بشكل أساسي على تصدير الهيدروكربونات، وأي اضطراب في هرمز يعني شللاً في ميزانياتها. تاريخياً، كان “الأمن المستورد” من القوى الكبرى (عبر القواعد العسكرية) يأتي دائماً مشروطاً بالتبعية السياسية.
في المقابل يفرض الموقف الإيراني معادلة جديدة مفادها “الأمن مقابل التعاون الإقليمي”، فعندما تدير إيران الممر وفق إطار تنظيمي صارم، فهي تمنع القوى العظمى من افتعال أزمات خاضعة للابتزاز السياسي أو لرفع أسعار التأمين البحري، مما يوفر بيئة تجارية أكثر قابلية للتنبؤ لدول الخليج.
٢ ـ الإدارة البيئية وحماية الثروات المشتركة: تصرّ إيران على حقها في تحصيل رسوم مقابل حماية البيئة، وهذا ليس مجرد إجراء مالي، بل هو ضرورة حيوية لدول المنطقة التي تعتمد بشكل متزايد على محطات تحلية مياه البحر.
وعليه فإن غياب الرقابة الصارمة على السفن العملاقة، والتي قد تفرغ مياهها الملوثة أو تتسبب في تسربات نفطية نتيجة الإهمال، يمثل تهديداً وجودياً للأمن المائي والغذائي في الخليج. وبذلك تعمل السيادة الإيرانية هنا كحارس بيئي يفرض معايير دولية صارمة لا تستطيع الشركات الملاحية التهرب منها، مما يحمي الشواطئ الممتدة من مسقط إلى الكويت.
٣- منع العسكرة العشوائية والصدام غير المحسوب من خلال اشتراط “التصريح المسبق” للسفن الحربية والغواصات، حيث تمنع إيران تحويل المضيق إلى غابة من الفولاذ العسكري؛ فإن دخول الغواصات النووية أو القطع البحرية الضخمة دون تنسيق مع الدولة الساحلية يرفع من احتمالات الاحتكاك العرضي الذي قد يشعل حرباً إقليمية كبرى.
وبذلك تضمن الإدارة الإيرانية المنظمة أن تظل التحركات العسكرية تحت مجهر الرقابة، مما يمنع الامريكي او الإسرائيلي أو أي طرف ثالث من القيام بعمليات تخريبية أو استفزازية تحت غطاء الملاحة الدولية، وهو ما يحمي المنشآت النفطية الخليجية من أن تصبح أهدافاً في سيناريو رد الفعل.
٤ ـ استقرار السعر والملاحة المستدامة، حيث إن الإطار المطبق إيرانياً يؤمن مروراً متواصلاً وسريعاً، كما أن ضمان سرعة العبور عبر مسارات محددة ومنسقة يقلل من تكاليف الشحن والوقت بالنسبة لدول المنطقة.
إن وجود قواعد واضحة وصارمة أفضل اقتصادياً من حالة “السيولة القانونية” التي تسمح للسفن بخرق القواعد ثم التعرض للاحتجاز. إن إيران، بتقديمها “دليل تشغيل” واضح للمضيق، تمنح الشركات الملاحية العالمية خارطة طريق قانونية تضمن وصول الناقلات إلى الموانئ الخليجية بأمان، طالما احترمت سيادة الدولة الساحلية وقوانينها المحلية التي تنسجم مع روح الاستقرار.
٥- التكامل اللوجستي والأمن الجماعي، حيث يمهد الموقف الإيراني – في المدى البعيد – الطريق لإنشاء “منظومة أمن بحري إقليمي”، فبدلاً من أن يكون هرمز نقطة تصادم، يمكن للأنظمة التنظيمية التي وضعتها إيران أن تتحول إلى أساس لاتفاقيات ثنائية أو جماعية مع دول الجوار.
وهذا التكامل يعني أن أمن الخليج يصبح مسؤولية “أهل الدار”، وهو ما سيؤدي حتماً إلى خفض فاتورة التسلّح الباهظة التي تتكبدها دول المنطقة، وتحويل تلك الموارد نحو التنمية الاقتصادية الشاملة.
إن الانتقال من مفهوم “المرور الآمن” إلى التطبيق العملي للإدارة البحرية في ظل ممارسة العدوان والتهديد يثبت أن إيران لا تسعى لإغلاق المضيق كما يُروج، بل تسعى لجعله مصدراً للقوة الإقليمية بدلاً من أن يكون ثغرة للاختراق الخارجي. وهذا التحول الاستراتيجي هو الذي يضمن لدول الخليج بقاء شريان حياتها بعيداً عن جموح الهيمنة لواشنطن والأطماع التوسعية لحكام تل أبيب.




