في الحروب، قد تتبدل الجبهات وتتغير موازين القوة، لكن ثمة قاعدة بقيت عبر التاريخ تمثل الحد الفاصل بين الصراع العسكري والجريمة الإنسانية, حماية الأسرى. فالأديان، والأعراف الإنسانية، ثم القوانين الدولية الحديثة، جميعها اتفقت على مبدأ واحد لا لبس فيه, الأسير إنسان، ووقوعه في الأسر لا يسقط عنه حقه في الحياة والكرامة على يد السجّان.
غير أن إقرار إسرائيل لما يُعرف بـ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يطرح سؤالاً صادماً على العالم:
هل ما زالت قواعد القانون الدولي الإنساني ملزمة؟،
أم أنها تتحول تدريجياً إلى نصوص بلا معنى ولا قوة عندما يتعلق الأمر بكيان كان وما زال وجوده على البشرية نقمة..؟
ولما كانت كل التعاليم الدينية سبّاقة في وضع قواعد إنسانية واضحة في معاملة الأسرى. فإن القرآن الكريم خصص آيات بينات جاءت لتؤكد على الإحسان إليهم وحسن معاملته.
وفي التاريخ الإسلامي تظهر معاملة الأسرى نموذجاً مبكراً لاحترام هذه القيم، فكان الجنود يقدّمون للأسرى الطعام الجيد ويكتفون هم بالقليل. كما أُطلق سراح عدد منهم مقابل تعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة.
هذه المبادئ لم تكن مجرد نصوص أخلاقية، بل تعبيراً عن فهم عميق لمعنى الحرب وحدودها: الأسير ليس هدفاً للإنتقام.
وفي العصر الحديث تحولت هذه المبادئ إلى قواعد قانونية واضحة عبر إتفاقيات جنيف، ولا سيما إتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 التي وضعت نظاماً مفصلاً لحماية أسرى الحرب، مؤكدة حظر قتلهم أو تعذيبهم ووجوب معاملتهم معاملة إنسانية.
لكن المشكلة في الحالة الإسرائيلية لا تكمن في قانون واحد فحسب، بل في سجل طويل من التحدي الصريح للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
منذ احتلال فلسطين عام 1948، ثم احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967، صدرت عشرات القرارات الدولية التي تطالب إسرائيل بإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان واحترام حقوق الإنسان، من بينها قرارات صادرة عن United Nations وقرارات مجلس الأمن مثل القرار UN Security Council Resolution 242 والقرار UN Security Council Resolution 338.
ومع ذلك، بقيت هذه القرارات حبراً على ورق في ظل استمرار الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وفرض الحصار، واحتجاز آلاف الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، بينهم أطفال ونساء.
كما وثقت منظمات دولية مثل Amnesty International و Human Rights Watch سلسلة من الانتهاكات المتعلقة بالاعتقال الإداري، وسوء المعاملة، وحرمان الأسرى من حقوقهم الأساسية.
كل ذلك يجري في ظل واقع سياسي يمنح إسرائيل شعوراً دائماً بأنها فوق المساءلة الدولية.
في هذا السياق يأتي قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليشكل محطة جديدة في هذا المسار. فالقانون لا يمثل فقط تشديداً للعقوبات، بل يفتح الباب أمام إعدام أسرى وقعوا أصلاً في قبضة القوة المحتلة.
وهذا يعني عملياً كسر أحد أهم الخطوط الحمراء التي وضعتها البشرية بعد مآسي القرن العشرين: عدم قتل الأسرى.
الخطورة هنا ليست قانونية فحسب، بل أخلاقية وسياسية أيضاً. فحين تتحول حياة الأسير إلى قرار سياسي، فإن مفهوم العدالة ذاته يصبح موضع شك.
إن أخطر ما في هذا القانون أنه لا يمس الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد المنظومة القانونية الدولية بأكملها. فإذا تمكنت دولة ما من تجاوز هذه القواعد دون مساءلة، فإن ذلك يفتح الباب أمام دول أخرى لتبرير ممارسات مشابهة.
وحينها يصبح السؤال أكثر خطورة:
ما الذي يبقى من القانون الدولي إذا كان يمكن تجاوزه بلا ثمن؟
إن انهيار قواعد حماية الأسرى يعني عملياً العودة إلى عصور نشهد بعض ارهاصاته في هذه الأيام. كانت فيها الحروب بلا ضوابط، وكان فيها الأسير مجرد ضحية للإنتقام.
اليوم تقف المؤسسات الدولية أمام اختبار صعب. فالمسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل قضية تتعلق بمدى قدرة النظام الدولي على حماية القيم التي تأسس عليها بعد الحرب العالمية الثانية.
فإما أن تبقى قواعد القانون الدولي الإنساني ملزمة للجميع بلا استثناء،
وإما أن يتحول هذا القانون إلى منظومة انتقائية تُطبَّق على الضعفاء فقط.
ختاماً، إن إقرار قانون يسمح بإعدام الأسرى ليس مجرد إجراء قانوني داخلي، بل تحدٍ مباشر لفكرة العدالة الدولية نفسها.
فالأسير، وفق كل الأديان والأعراف والقوانين، إنسان فقد حريته لكنه لم يفقد حقه في الحياة.
وعندما تصبح حياة الأسرى رهينة قوانين تصدرها قوة الاحتلال، فإن القضية لم تعد قضية أسرى فحسب، بل قضية ضمير عالمي يقف أمام سؤال حاسم: هل ما زالت الإنسانية قادرة على حماية أبسط حقوق الإنسان في زمن الرخاء و الحروب؟




