تداعيات النّزوح من مناطق الإعتداءات: لمعالجة السّبب وليس النتيجة!.. عبدالكافي الصمد

ليس تفصيلاً بسيطاً أن يصل عدد النّازحين من المناطق التي تتعرّض لاعتداءات إسرائيلية والمقيمين في مراكز الإيواء (مدارس ومعاهد رسمية) إلى أكثر من 136 ألف نازح، وعدد العائلات المقيمة في هذه المراكز إلى ما يقارب 36 ألف عائلة، بالتزامن مع وصول عدد الشّهداء الذين سقطوا ضحية هذه الإعتداءات إلى 1345 شهيداً والجرحى إلى 4040، وفق التقرير اليومي الذي أصدرته يوم أمس وحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء.

 

وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام الرسمية نازحين آخرين يقيمون خارج مراكز الإيواء، إما لدى أقارب أو أصدقاء أو معارف لهم، أو استأجروا شققاً على نفقتهم الخاصّة، فأصبحوا يُقدّرون بنحو مليون نازح، أغلبهم نزح من مناطق في الجنوب والبقاع والضّاحية الجنوبية، فإنّ من الممكن عندها معرفة حجم الجريمة التي ترتكبها إسرائيل بتفريغ مناطق بأكملها من سكّانها وإجبارهم، بعد تدمير ممنهج لمنازلهم، على النّزوح نحو مناطق أكثر أمناً.

 

في الدّول الطبيعية يتمّ التعاون بين الجهات الرسمية وهيئات المجتمع المدني ومتطوّعين ومنظمات إغاثة محليّة التي تستنفر من أجل معالجة مشكلة نزوح مواطنين من مناطق خطرة (حروب أو كوارث طبيعية) إلى مناطق أكثر أمناً، بهدف مساعدة هؤلاء النّازحين، والتخفيف من مخاطر هذا النّزوح الإضطراري، بما يُخفّف من تداعياته على المدى القريب والمتوسط، أو حتّى على المدى البعيد.

 

فالحديث عن مخاطر النّزوح ليس طارئاً في لبنان، فهو يعود إلى الأيّام الأولى لنشأة الكيان الإسرائيلي عام 1948، عندا أسهمت تلك النشأة في تهجير آلاف السكّان الفلسطينيين ذلك العام نحو لبنان، فضلاً عن تهجير مئات العائلات اللبنانية في القرى والبلدات التي تتاخم الأراضي المحتلة وتعرضت لاعتداءات لم تتوقف حتى الآن، عدا عن تفاقم موجات النّزوح بعد عدوان إسرائيل عام 1967 واندلاع الحرب الأهلية عام 1975 التي شهدت الإجتياح الإسرائيلي العام 1982، مروراً بحرب تمّوز العام 2006، وصولاً إلى العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان منذ عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل من العام 2023.

 

غير أنّ اللافت هو أنّ من انخرطوا في الحديث عن مخاطر النزوح، على مناطقهم تحديداً، هم في أغلبهم من خصوم الفلسطينيين والمقاومة في لبنان، سواء تلك التي نشأت قبل ولادة حزب الله العام 1985 أو قبل ذلك، وتماهوا مع مواقف العدو على حساب أبناء بلدهم، معتبرين أنّ ذلك النّزوح يُهدّد لبنان ديموغرافياً وسياسياً وأمنياً، ومتحدثين عن مخاوف وتهديدات إعتبروها “طبيعية” عن مخاطر النّزوح، فقط لأنّ أغلب النّازحين هم من مناطق وطوائف ومذاهب أخرى، من غير أن يعيدوا الأزمة إلى جذورها، وهي أنّ السّبب الرئيسي للنّزوح هو احتلال واعتداء إسرائيل على أرض لبنانية وفلسطينية، ما يزال مستمراً، وبأنّه لا يمكن معالجة النتيجة قبل معالجة الأسباب، أو القفز فوقها وتجاهلها.

 

هذا المشهد برز بوضوح وبشكل غير مسبوق منذ العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان في 2 آذار الماضي، وما يزال مستمراً، حيث أُقفلت مناطق في وجه النّازحين ومُنعوا من الدّخول لها وحرّضوا عليهم، وكأنّهم ليسوا من بلد الـ10452 كلم الذي يتحدثون زوراً وبهتاناً عن تمسكهم به، محدثين شقاقاً وانقساماً بين اللبنانيين يُتوقع أن تكون له تداعيات خطرة في المرحلة المقبلة إنْ لم يُعالج بالشكل المناسب، سواء على المستوى الحكومي أو السّياسي أو الأمني أو الشّعبي، أو على صعيد المرجعيات الدّينية كلّها بلا استثناء.

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal