لم تعد هذه حرباً… بل عملية تصفية ممنهجة لكل من يشهد، وكل من يحمي، وكل من ينقذ في الجنوب.
لم تعد الجبهة حدوداً جغرافية، بل تحولت إلى فكرة: اقتل الكاميرا كي لا تُرى الجريمة، واستهدف الجندي كي تسقط الدولة، واغتل المسعفين ليبقى النزيف مفتوحاً حتى النهاية.
الصحافي هنا لا يحمل سلاحاً… بل يحمل دليلاً.
ولهذا يُطارَد؛ فالكاميرا لم تعد عيناً تنقل، بل تهديداً يفضح. يُستهدف الصحافي لأنه الشاهد الأخير على ما لا يُراد له أن يُروى. يُقتل كي لا تُكتب الحقيقة، كي لا تُسمّى الأشياء بأسمائها، وكي يُدفن الصوت تحت الركام قبل أن يصل إلى العالم.
إنها ليست إصابة جانبية… بل اغتيال متعمّد للرواية نفسها.
أما الجيش اللبناني، فاستهدافه ليس صدفة نار، بل قرار بكسر الجندي وإرادته، وضرب معنوياته لمنعه من الوقوف في وجه العاصفة. يُضرب وكأن صموده جريمة.
الرسالة أوضح من أن تُخفى: لا دولة يُسمح لها أن تقف، ولا سيادة يُسمح لها أن تُرفع. فعندما يُستهدف الجيش، لا يكون الهدف موقعاً عسكرياً فحسب… بل فكرة الوطن ذاتها.
أما الإسعاف… فهنا تبلغ الجريمة ذروتها.
سيارات بيضاء تلمع في العتمة كأمل أخير، تتحول إلى أهداف. المسعف الذي يركض بين القذائف لينتزع حياة من قبضة الموت، يُلاحَق بالنار. كأن الحرب تقول بوضوح مرعب: لا نريد للجرحى أن ينجوا، ولا لمن ينقذهم أن يعود.
هذه ليست حرباً فقدت بوصلتها، بل حرب اختارت أن تكون بلا قانون وبلا إنسان.
كل ضربة على صحافي هي رصاصة في صدر الحقيقة، وكل استهداف لجندي طعنة في ظهر الوطن، وكل قذيفة على مسعف إعلان صريح بأن الموت هو الهدف لا النتيجة.
في هذه الأرض، لم يعد السؤال: من سينتصر؟ بل من سيبقى ليروي الحكاية.
وحين يُقتل الشاهد، ويُكسَر الحامي، ويُذبَح المنقذ، فاعلم أن ما يجري ليس حرباً… بل إبادة للمعنى نفسه، وأن العالم، بصمته، شريك كامل الأوصاف في الجريمة.




