تحول قرار محافظة دمشق في سوريا بحصر بيع المشروبات الكحولية في أحياء محددة مثل باب توما والقصاع وباب شرقي سريعاً إلى قضية رأي عام، أعادت طرح أسئلة عميقة حول طبيعة التوازن بين النظام العام والحريات الفردية، والأهم حول هوية دمشق نفسها كمدينة تاريخية جامعة.
من حيث الشكل، يبدو القرار إدارياً، يهدف إلى ضبط الفوضى أو الحد من الإزعاج، لكن من حيث المضمون، يثير مخاوف تتجاوز البعد التنظيمي، خصوصاً عندما يُربط هذا النوع من النشاط بأحياء ذات طابع ديني محدد، ما قد يُفهم على أنه نوع من الفرز الجغرافي الذي يلامس حدود الفرز الاجتماعي والديموغرافي. مواقف رسمية لافتة استنكرت القرار وأبرزها ما عبّرت عنه وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة السورية هند قبوات التي شددت على أن المسيحيين في سوريا ليسوا مكوّناً هامشياً، بل جزء أصيل من النسيج الوطني، ساهموا تاريخياً في بناء مؤسسات التعليم والصحة، وكانوا في طليعة من حافظ على قيم العيش المشترك، خصوصاً في أحياء دمشق القديمة.
هذا التذكير لم يكن مجرد توصيف تاريخي، بل رسالة حول قدرة الدولة على حماية تنوّعها، فالمجتمعات التي تُدار بمنطق الإقصاء، حتى لو كان غير مقصود، تفقد تدريجياً أحد أهم عناصر تماسكها.
في المقابل، عبّرت المرجعيات الكنسية عن قلقها من القرار اذ رأت مطرانية بصرى وحوران وجبل العرب للروم الملكيين الكاثوليك أن حصر هذه الممارسات في أحياء محددة، حتى لو كان بدافع تنظيمي، قد يؤدي إلى عزل اجتماعي غير مباشر، ويُضعف صورة دمشق كمدينة مفتوحة لكل مكوناتها. كما شددت على أن معالجة التجاوزات يجب أن تكون فردية، عبر تطبيق القانون على المخالفين، لا من خلال فرض قيود جماعية.
هذا القلق يتقاطع مع ما طرحه رجل الأعمال وفيق السعيد، الذي اعتبر أن القرار لا يعكس فقط خللاً في التقدير، بل يحمل دلالات أعمق تمسّ صورة سوريا وتاريخها. فدمشق، بالنسبة له، لم تكن يوماً مدينة تُعرّف أحياؤها بأنماط حياة محددة، بل بتاريخها وثقافتها وتنوّعها الذي عاش فيه المسلم والمسيحي جنباً إلى جنب من دون أن يتحوّل الاختلاف إلى تصنيف، مستحضراً شخصيات وطنية جامعة مثل فارس الخوري، الذي شكّل نموذجاً لسوريا التي لا تختزل أبناءها بانتماءاتهم الدينية، بل بدورهم في بناء الدولة.
في العمق، لا يدور النقاش حول الكحول بحد ذاته، بل حول المبدأ فدمشق، التي عاشت قروناً من التعدد، لا تُختزل بأحيائها المسيحية فهي مدينة الذاكرة المشتركة، حيث الكنيسة إلى جانب المسجد، وحيث الاختلاف لم يكن يوماً تهديداً بل مصدر غنى.
لذلك، فإن الموضوع لا يكمن فقط في تعديل قرار أو إعادة النظر في آلية تطبيقه، بل في الحفاظ على الفكرة التي قامت عليها العاصمة السورية دمشق والتي تؤكد ان المسيحيين ليسوا استثناءً بل جزء لا يتجزأ من سوريا.




