طرابلس تحتضن النازحين… خشبة المسرح تتحوّل الى احتضان للنازحين.. صبحية دريعي

فتحت طرابلس أبوابها، لا على مضض، بل بذاكرةٍ عرفت وجع النزوح وعانت مرارة الانهيارات وفقدان الأمان في هذه المدينة، التي تألمت مع كل انهيار مبانٍ ومع كل بيت تَرَكَه أهله، لم تتردّد في أن تكون ملاذاً لعائلاتٍ أجبرت على الرحيل عن جنوب لبنان إثر العدوان الإسرائيلي حاملة معها ما استطاعت من أمتعة وذكريات وأملٍ معلّق بالعودة.

 

وفي مشهد يعكس روح التضامن تحوّل المسرح الوطني اللبناني إلى ملجأ آمن فلم تعد الخشبة مكاناً للعرض وحده، بل أصبحت مساحة تضامن واحتضان، حيث احتضنت عشرات العائلات النازحة، مع أطفالهم الذين وصلوا مثقلين بالخوف والقلق، وتركوا خلفهم بيوتهم.

 

منذ اللحظة الأولى، فُتحت الأبواب على مصراعيها، وأُزيلت المقاعد، وامتدت الفرشات على الأرض لتصبح مكاناً للنوم والراحة. 

انشغل المتطوّعون بتأمين الحدّ الأدنى من الاحتياجات الأساسية: طعام، مياه، أغطية، مع جهود مستمرة لإعادة شعور الأطفال بالأمان وسط مشهد اضطراري مفاجئ.

 

أم علي نازحة من الجنوب تقول لسفير الشمال: “ما كان عندنا وقت نفكّر خرجنا بسرعة وتركنا البيت بكل شيء فيه الأهم إن ولادي بخير. لما وصلنا لهون، حسّينا إنو في حدا عم يستقبلنا… مش بس كمحتاجين، كأنو أهل.”

 

ويؤكد أحد القائمين على المسرح:

“المسرح مش بس للعرض، هو للناس. واليوم، في هالظروف، الطبيعي يتحوّل لمساحة أمان. من أول يوم اشتغلنا لنؤمّن كل شي ممكن: فرش، أكل، ميّ… بس الأهم الحفاظ على كرامة الناس. مش بس مأوى، بدنا نحسّسهم إنو هيدا مكان آمن فعلاً.”

 

وبجانب الاحتياجات الأساسية، أولت الفرق المتطوّعة اهتماماً خاصاً بالأطفال، من خلال برامج وأنشطة يومية تهدف إلى دعم صحتهم النفسية والتخفيف من آثار الصدمة والخوف: من الرسم والتلوين إلى الألعاب الجماعية وورش التعبير الفني، لتوفير مساحات آمنة تمكنهم من التعبير عمّا يختلج في نفوسهم ولو بطريقة بسيطة.

 

في طرابلس اليوم، يُسجَّل مشهد استثنائي: مدينة عرفت الانكسار لكنها لم تنكسر. هنا، يتحوّل وجع النزوح إلى تضامن، والخوف إلى احتضان، والضياع إلى كرامة. مشهدٌ يذكّر بأن الإنسانية، رغم كل ما يعيشه الناس من أزمات، يمكن أن تتجسد في أبسط الأماكن: في خشبة مسرح تحولت إلى مأوى، وفي قلوب مستعدة للاحتضان.

 

 

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal