عكست تصريحات وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي موقفاً سياسياً بالغ الأهمية حول النوايا الحقيقية للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من العدوان على إيران، ما يفتح الباب واسعاً أمام قراءات وتحليلات جديدة في السياسة والاستراتيجيا، وتؤكد حجم خيبة الأمل العُمانية جراء نسف المفاوضات حول الملف النووي التي لعبت السلطنة دور الوسيط فيها.
ويمكن قراءة هذه التصريحات من زوايا مختلفة أبرزها:
أولاً: يشير البوسعيدي بوضوح إلى أن البرنامج النووي الإيراني ليس السبب الحقيقي للحرب، كاشفاً أن المفاوضات حوله كانت وصلت إلى مراحل متقدمة، وقدمت طهران التزامات بعدم تطوير سلاح نووي، مع قبولها بآليات رقابة دولية.
هذا الموقف يحمل دلالتين أساسيتين، لجهة التشكيك في السردية الأميركية والإسرائيلية التي تربط الحرب بالعمل على منع إيران من امتلاك قنبلة نووية، والتأكيد في الوقت نفسه أن سبب الحرب هو “جيوسياسي” أكثر منه تقني أو نووي، ما يعني أن الملف النووي الإيراني هو مجرد مبرر وليس دافعاً حقيقياً للحرب.
ثانياً: يوحي الوزير العُماني أن الحرب تأتي من ضمن مشروع إعادة هندسة المنطقة، بما يُعرف سياسياً بمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى فيه أميركا إلى إضعاف القوى الإقليمية الكبرى وفي مقدمها إيران،
لوضع “الحجر الأساس” لانطلاق هذا المشروع الذي من شأنه أن يعيد ترتيب التحالفات الإقليمية ويعزز من التفوق العسكري الإسرائيلي، أمام دول ضعيفة طائفية مذهبية متناحرة.
ثالثاً: يلفت الوزير البوسعيدي إلى أن الحرب مرتبطة أيضاً بملف التطبيع العربي مع إسرائيل، حيث أن تصعيد المواجهة مع إيران يخلق بيئة أمنية غير مستقرة تساهم في الضغط على الدول العربية للذهاب إلى تحالف مع العدو الإسرائيلي، ويكون ذلك على حساب القضية الفلسطينية ومشروع حل الدولتين.
وبذلك يربط البوسعيدي بين الحرب على إيران وتسريع التطبيع وجعله أمراً واقعاً، وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية كأولوية عربية وإسلامية.
رابعاً: يحسم البوسعيدي خيارات بلاده من خلال تأكيده أن سلطنة عُمان لن تنضم إلى “مجلس السلام” ولن تطبع مع إسرائيل،
وتأتي أهمية هذا الموقف من كون السلطنة هي الأكثر انفتاحاً بين دول الخليج على إسرائيل من الناحية الدبلوماسية، من خلال استضافتها لقاءات وإتصالات سياسية سابقة سواء في الملف النووي الإيراني أو في القضية الفلسطينية وقضايا عربية وإقليمية أخرى، ورغم ذلك، فإنها اليوم تضع حدوداً للتقارب وتربطه بالتقدم في مسار إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه، وفي ذلك رسالة واضحة أن السلطنة ستحافظ على دورها كوسيط إقليمي من دون الانخراط في أي محور سياسي أو عسكري أو تطبيعي.
خامساً: التحذيرات التي أطلقها البوسعيدي من أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران قد تؤدي إلى: إضعاف القانون الدولي وتقويض منظومة الأمن الإقليمي وزيادة احتمالات الصراعات المفتوحة.
وهذا يتصل أيضاً بحديثه عن ضرورة مراجعة الفلسفة الدفاعية الخليجية، أي إعادة التفكير في الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية التي أثبتت فشلها خلال الحرب.
سادساً: الاشارة الواضحة من الوزير العُماني الى أن الحرب لن تبقى محصورة في بعدها العسكري، بل ستؤثر وهي بدأت فعلاً على أسعار النفط العالمية وسلاسل التوريد واستقرار الاقتصاد العالمي، ما يعكس قلق الدول النفطية في الخليج من أن يتحول الصراع إلى أزمة طاقة عالمية.
لا شك في أن مواقف وزير خارجية عُمان تشكل إنتقاداً صريحا للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، كونها تسعى إلى إعادة تشكيل شرق أوسط يكون فيه الكيان الصهيوني القوة المهيمنة الوحيدة فيه، وهذا ما ترفضه سلطنة عُمان التي ما تزال تسعى إلى ركون كل الأطراف إلى الحلول الدبلوماسية وخفض التصعيد، إنطلاقا من حرصها على أمن المنطقة وإستقرار دولها.






