خريستو نجم!.. بقلم: د. جان توما 

كلّما أغمض شاعر عينيه، انطفأ نجم في مكان ما، فكيف اذا انطفأ شاعر، نجم حقيقيّ؟! 

خريستو نجم، أذكره في الطابق الثالث من مبنى مار إلياس الجديد في الثمانينيّات، واقفًا في مواجهة الموج والأفق، لا يهمّه اتساع البحر ولا عظمة الأفق البعيد، بل منصرفًا بإحساسه إلى ضعف أجنحة النورس التي كانت تجتاح الشاطىء بحثًا عن لقمة عيش، فتراه يجنح معها يلملم أحرف أبجدية شعر ، وديوان طالع من عبقر الأحلام، فيما يطعم النورس فتات خبز من محبرة حلمه.

 

كان ينتظر دخول الطّلاب قبل أن يتبعهم، مصطحبا معه، في زفّة فرح، امرؤ القيس وطرفة وزهير وكعب وابن الرومي والمتنبي ومن في مصافهم، فيحضرون في إنشاده أشعارهم، غارفًا من التّراث العربيّ الذي آمن به حيّا نابضُا. 

 

عَنَتْ له طرابلس الكثير فسكنته. كانت له بشوارعها مجالس حبّ. يصوغ كلّ صبيحة عقدًا من ياسمين، ويجمع شتلات الحبق والاوركيديا والمنتور وتوابعها ليفرح بربيع طرابلس الذي يطلع كلّ يوم من خلف ليمونها الذي تتكسّر عليه أشعة الشمس، فيما تغرق المدينة في تاريخها المشرق، فيكتب بأريجها على جدرانها قصصه، ويودع شقائق النّعمان المزهرة من قلبه شقائق حيطان المدينة المتهالكة، ليصير معها واحدًا في الوجع والتعب والفرح.

 

رأى خريستو نجم في القصيدة شبكة أعصاب، تنقل توتّر شاعرها، وتغرف من ماسأته أو مأزقيته، متألمًا من تغييب النصّ الأدبيّ ، نثرًا أو شعرًا، من المناهج الجديدة، مستشرقًا تقهقر تنمية الذائقة الفنّية الجماليّة عند الجيل الجديد، فعوّض عن ذلك بالزّهد في التّعليم الجامعيّ، على شرفة القصيدة، يبحر في بحور الشعر الستة عشر ولم تكفه، فكان يرقب غناء أهل الموشّحات والتروبادور، فيفرح وهو المطّلع على الآداب العالميّة، فكانت المثاقفة عنده مسرى حياته، وكم ضبطناه متلبّسا بوقوفه في حضرة ديوان الشّعر العالميّ، قائمًا بعزٍّ، فصار إذا أصابته لوثة الشّعر، تكسّرت الأبيات على الأبيات.

 

كانت قصيدة خريستو نجم أرضًا جديدة له، يرسم على ترابها أفلاكه وعوالمه التي انسحب إليها في ختام حياته، هربًا من هشاشة العالم وحروبه ومعاركه وأحداثه ورتابته، فصيّر أرض ديوانه سماءً نصّب نفسه فيها نجم النّجوم، في أزرار ورد تتفتح في أوّل كلّ ربيع، كما في ذكرى رحيله.

 

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal