كرنفال «الزامبو» في الميناء.. حكاية تراث!.. جان توما

ينطلق الكرنفال من أصول مجتمع مدينة الميناء التي استقبلت بحرًا وبرًّا جاليات متنوّعة وفدت إليه نتيجة العلاقات التّجارية البحريّة ، أو جراء موجات التهجير أو الهرب من الحروب من اليونان وايطاليا وكريت ( الأكرات) والأرمن، والسريان وانطاكية ومرسين وغيرها .

 

ساهمت هذه الجاليات التي اندمجت في المجتمع البحريّ برفد العادات والتقاليد المحلّية بمروحة عادات وافدة متجدّدة، هذا وقد تركّز السكن في الحيّ المعروف بسوق الخراب الممتدّ من برج المغاربة أو عز الدين إلى قبوة الجامع العالي ومسجد غازي فالبوابة، قبل افتتاح شارع بور سعيد ومار إلياس عام ١٩٥٤ حيث قامت الميناء الجديدة غربًا، وبقي سوق الخراب محافظًا على النسيج الأهليّ التاريخيّ بعلاقته بالبحر ارتزاقًا وحكايات وعادات وتقاليد مشتركة.

ويعيد بعضهم تلوين الأجساد في”الزامبو” ، كما يذكر كتيّب “الميناء مدينة البحر تروي قصتها” لعبدالله كبارة، إلى أن أهل الميناء عرفوا الرجل الزنجيّ لأوّل مرّة لما جاءت مجموعات زنجيّة من مناطق عدة، من المغرب والسودان وخاصة الخرطوم، وبعضهم من السنغال. وقد وفد هؤلاء السكان إلى الميناء، إما بحرًا أو برًا. 

ومن أول الوافدين إلى الميناء من سكان «حوش العبيد» موسى العبد والحاج أحمد مرجان والحاج عبدالله النعسان الملقب بالأسمر، وأول من جاء بهؤلاء الأفارقة إلى الميناء الريِّس حسن درويش على متن سفينته الشراعية (سْكونة). إلى أن تعرّف أهل الميناء على الرجل الزنجيّ القوي مع نزول الجيش الفرنسيّ، بعناصره السنغاليّة الزنجيّة، وأقاموا ثكنة عسكريّة لهم على الشاطىء الغربيّ في العام 1940.

 

تروي الذّاكرة الشعبيّة أنّ ظاهرة «الزامبو» لم تكن موجودة في النّصف الأوّل من القرن العشرين، إذ يذكر المعمّرون أنّ إحياء الكرنفال في الاسبوع الذي يسبق أسبوع بدء الصوم لدى الأرثوذكس في الميناء كانت تقوم به فرق ترتدي ألبسة ملوّنة، وذكروا اللونين الأزرق والأحمر وأحزمة ملوّنة، وكان لكلّ فرقة مسؤول يهتم بيته بإعداد المآكل الوداعيّة، إضافة إلى الدعوات لتناول الطّعام في البيوت الكبيرة تقديرًا لجهودهم في تقليد شخصيات ظريفة في جوّ من الغناء والعزف.

 

واستمرت عادة الكرنفال وتداولتها الأجيال، في ستينيات القرن العشرين، فدرجت الثياب التنكريّة «سوبرمان» و«الوطواط» و”سانتو” وغيرهم، في الأزقة القديمة وكان بعضهم يقيم عرضًا لأجمل ثوب تنكري. هذه الفرق الفنية، بالأزياء والموسيقى، اختفت بسبب حرب ١٩٧٥ ومع استقرار الوضع تجدّد الكرنفال، ولكن بشكل جديد، هو «الزامبو». وقد يكون السبب عائدًا إلى سهولة استعمال المواد ورخص ثمنها، ولا تستهلك وقتًا كثيرًا لصناعتها.

كما أنّها جاءت تأثّرًا بالأفلام السينمائيّة عن افريقيا و عادات قبائل الهنود في أميركا عبر أفلام «الكاوبوي». والتأثر هنا واضح في الحركات التي يقوم بها المشاركون في «الزامبو»، كالصبغ باللون الأسود، وحمل السهام والرمح، والدوران حول مصاب ممدد على الأرض، وفي ترداد الكلمات غير المفهومة للتّعبير عن الطقوس، وتختتم بعادة الاغتسال في مياه البحر، عند انتهاء العرض، للتأكيد على علاقة الذاكرة الشعبيّة ببحر الميناء.

 

يصرح منظمو ومشاركو مهرجان «الزامبو» دائمًا أنّ هذا المهرجان لا علاقة له بالتعاليم الكنسيّة، وإنّما هو عادة شعبيّة، وإن توافق زمن إطلاقه قبل يوم من بدء الصوم لدى الكنيسة الأرثوذكسيّة. هذا يدل على الوعيّ العام في تظهير المهرجان كتقليد شعبيّ عفويّ عرفته مدينة الميناء، ويردّون ارتباطه بالصّيام إلى المغتربين الميناويين الذين قصدوا البرازيل أو أميركا اللاتينيّة، في بداية القرن العشرين، وعادوا بهذا التّقليد السّائد هناك المرتبط بزمن الصّوم لدى الكنيسة الكاثوليكيّة.

لذلك ترى المشاركين في المهرجان المذكور ينتمون إلى مختلف المشارب والألوان.

 

“الزامبو” من الذاكرة الشعبية المتواترة والمتداولة من جيل إلى جيل، رغم اختلاف مشاهده ولوحاته، وهو يعبّر عن ذاكرة جماعيّة بحاجة إلى صون تعابيرها للإشارة إلى الواقع الاجتماعيّ، بمظاهره التعبيريّة الحركيّة، في مدينة الموج والأفق.

Post Author: SafirAlChamal