خلص الحكي!.. 

خاص – سفير الشمال

لم يعد للكلام أي معنى. 

سقطت كل العبارات المستهلكة أمام مشهد مبانٍ تنهار في طرابلس، ويُدفن قاطنوها تحت الركام، فيما الدولة تراقب من بعيد، مكتفية بسلسلة وعود لا تنقذ حجراً ولا تحمي بشرا. بلغ السيل الزُبى، ولم يعد الإهمال مجرد تقصير، بل صار جريمة موصوفة.

من ضهر المغر إلى السراي العتيقة، مروراً بالقبة والتبانة وصولا إلى السويقة، تقف أبنية طرابلس شاهدة على إهمال مزمن. أبنية معروفة، موثّقة، ومسجّلة على لوائح الخطر، لكنها تُركت لمصيرها، لم تُرمَّم، ولم تلقَ الحدّ الأدنى من الاهتمام، كأن سكانها خارج حسابات الدولة، أو كأن موتهم تفصيل يمكن تجاوزه ببيان تعزية.

 

المفارقة الفاضحة أن الحديث عن العجز المالي لا يصمد أمام الواقع. فالهدر بالملايين، إن لم نقل بالمليارات، صار خبزاً يومياً في هذا البلد، بينما تعجز الحكومة عن تأمين عشرة ملايين دولار فقط لإنقاذ مواطنين يعيشون في مبانٍ آيلة للسقوط. عشرة ملايين كانت كفيلة بوقف العدّ التنازلي للموت، لكنها بدت أثقل من أن تتحمّلها دولة اعتادت إنفاق أضعافها على مشاريع بلا جدوى.

 

بين من قضى نحبه تحت الأنقاض، وبين من ينتظر دوره في مبنى متصدّع، تقف طرابلس اليوم مدينةً منكوبة بلا إعلان رسمي. لا تحتاج هذه المدينة إلى بيانات شجب ولا إلى تصريحات تضامن، ولا إلى لقاءات إعلامية ولا إلى مواقف انتخابية معروفة الهدف والتوجّه. طرابلس لا تحتاج إلى صور تذكارية بين الركام، بل إلى قرارات فورية، جريئة، ومسؤولة.

 

المطلوب واضح: ورشة عمل طارئة تبدأ من البلدية، ولا تنتهي عند نواب المدينة العاجزين عن الفعل، وصولاً إلى حكومة تجيد الكلام أكثر مما تجيد التنفيذ. 

خلص الحكي، وليصمت الجميع، وليبدأ العمل المنتج والحامي، وكل تأخير إضافي هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة.

 

طرابلس لا تموت فجأة. طرابلس تُقتل ببطء، تحت أنقاض الإهمال، وعلى مرأى ومسمع من دولة اختارت أن تكون شاهدة زور، لا سلطة حامية. والتاريخ، كما الأنقاض، لا ينسى!..

 

 

Post Author: SafirAlChamal