أعاد تصريح وزير الخارجية يوسف رجي حول “قدرة الجيش اللبناني الكاملة على مواجهة حزب الله” فتح واحد من أخطر الأبواب التي جاهد اللبنانيون من أجل إغلاقها منذ سنوات، وهو باب الفتنة الداخلية المغلّفة بخطاب “الدبلوماسية والشرعية”.
الكلام لم يكن عابراً، ولا يمكن تبريره كسوء تعبير أو اجتهاد شخصي، أو حتى زلة لسان، بل جاء منسجماً بدقّة مع خطاب أميركي معروف، ومع سرديات إسرائيلية، ومع أدبيات سياسية لطالما سعت إلى تحويل الجيش من مؤسسة جامعة إلى أداة صدام داخلي.
المشكلة الأساسية في موقف رجي لا تكمن فقط في مضمونه، بل في موقع قائله. فحين يتحدث وزير خارجية لبنان بهذه اللغة، فهو لا يعبّر عن رأي حزبي أو موقف أيديولوجي، بل يُفترض أنه ينطق باسم الدولة اللبنانية بكل تناقضاتها وتوازناتها وحساسياتها. وما قاله رجي لا يشبه الدولة، بل يشبه مشروعاً سياسياً لطالما راهن على الخارج لتصفية حساباته الداخلية.
الأكثر خطورة أن هذا الكلام يتقاطع بالكامل مع منطق بعض المسؤولين الأميركيين، ومنهم توم باراك الذي قال صراحة: إن أميركا لا تريد تسليح الجيش من أجل قتال إسرائيل بل تريد تسليحه لقتال حزب الله”، وهذا يعني أن رجي تجاوز كل الصلاحيات وأراد تحديد وظيفة الجيش وفق الأولويات الأميركية، في وقت يتناسى فيه العدو الاسرائيلي غير الموجود في قاموسه، وهو الذي لا يزال يحتل الأرض اللبنانية وينتهك السيادة يوميا برا وبحرا وجوا.
لا شك في أن وضع الجيش في مواجهة المقاومة ليس فقط طرحاً غير واقعي، بل هو طرح انتحاري. فالجيش اللبناني، بعقيدته الوطنية وتكوينه الشعبي، كان وسيبقى الضامن الأساسي للسلم الأهلي، لا رأس حربة في صراع داخلي. وكل من حاول سابقاً الزج به في هذا المستنقع فشل، وترك جراحاً عميقة في الذاكرة الوطنية. فهل يريد رجي إعادة إنتاج هذه التجارب الكارثية، ولكن هذه المرة بغطاء “دبلوماسي”؟
لم يعد يختلف إثنان، على أن رجي يتحدث بعقلية ومنطق ولسان حزب “القوات اللبنانية”، الذي بدل أن يخلع رجي رداءه ويلبس رداء الدبلوماسية، حمله فكرا وسلوكا الى داخل وزارة الخارجية التي يفترض أن تحمي مصالح لبنان العليا لا أن تصطف في محور معادٍ له ويسعى الى الفتنة الداخلية بين مكونات شعبه.
كلام رجي يطرح العديد من التساؤلات لجهة: هل يمثل كلام رجي الموقف الرسمي للحكومة اللبنانية؟، وهل صحيح أن رجي “فاتح على حسابه” بتوجيهات من سمير جعجع ولا يستطيع الرئيس نواف سلام إيقافه عند حده؟، أم ربما نكون أمام تبادل أدوار بين وزير يطلق المواقف الفتنوية وبين رئيس حكومة يناور لتحقيق الأجندة التي أتى من أجل تحقيقها؟، وإذا لم يكن الأمور كذلك، لماذا لم يصدر أي توضيح أو تصحيح من المكتب الاعلامي للرئاسة الثالثة؟، ولماذا هذا الصمت المطبق عن هذا الوزير؟، علما أن الصمت في هذه الحالة ليس حيادا بل شراكة ضمنية في فتح أبواب الفتنة، خصوصا عندما يهدد وزير الخارجية السلم الأهلي بكلام غير مسؤول يعتمده منذ أن دخل الى الحكومة ويناقض نفسه في حماية السيادة حيث “يشرب حليب السباع” صباحا للرد على التصريحات الإيرانية، وينام ليلا في حضن أميركا وينفذ كل إملاءاتها.
يمكن القول، إن ما قاله يوسف رجي هو خيار سياسي واضح، كونه يردده ويعيده في كل مناسبة ويصر على الطعن بلبنان وإستدراج العدوان عليه من خلال تصريحاته لا سيما تلك التي أكد فيها أن “لبنان لا يقوم بواجباته ومن حق واشنطن أن تغضب عليه”.
هذا الخيار يستبدل الصراع مع العدو بصراع داخلي يخدم العدو ومعه أجندات خارجية، والمسؤولية في هذا الإطار لا تقع على رجي وحده، بل على كل من يصمت عنه، أو يعزل نفسه عن مواجهته أقله في طرح الثقة به في مجلس النواب!..






