عندما أحرق الصهاينة المسجد الأقصى عام 1969, قالت رئيسة الوزراء الاسرائيلية غولدا مائير: “لم أنم ليلتها وأنا أتخيّل العرب والمسلمين يدخلون إسرائيل أفواجاً من كل حدب وصوب، ولكن عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء أدركت أن باستطاعتنا فعل ما نشاء فهذه أمة نائمة”.
اليوم وبعد 55 عاما من الاعتداء على الأقصى ومن الحروب التي شنتها إسرائيل وما رافقها من قتل وتشريد وتدمير، من فلسطين إلى لبنان وسوريا واليمن، وأخيرا حرب التجويع والإبادة في غزة، ما تزال الأمة نائمة، مكتفية بقمم عربية وإسلامية إستعراضية وببيانات الإدانة والشجب والاستنكار التي لا تسمن ولا تغني من مواجهة أو تحرير، أو حتى إغاثة حيث أن أكثر من قمة عربية وإسلامية عقدت منذ السابع من أكتوبر ولم تفلح في إدخال حبة دواء إلى أهالي غزة المحاصرين بالحديد والنار والجوع والمرض.
وطالما أن “فرعون يتفرعن” عندما لا يجد من يتصدى له أو يوقفه عند حده، كشف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أنه في مهمة تاريخيّة ربانية روحانية من أجل تحقيق إسرائيل الكبرى التي توجد خريطتها على الكتف الأيمن للبدلة العسكرية لعناصر الجيش الاسرائيلي وهي تمتد من النيل إلى الفرات وتضم فلسطين والأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق.
كلام نتنياهو مرّ مرور الكرام، إلا من بعض البيانات العربية الانشائية وهي جميعها لزوم ما لا يلزم طالما أنها لا تترجم بخطوات عملية لمواجهة هذا المخطط الذي يتحضر بعناية وبرعاية أميركية ومباركة غربية وبدعم واضح وصريح من الرئيس دونالد ترامب الذي سبق وإعتبر أن “مساحة إسرائيل ضيقة عليها ولا بد من توسيعها وأن تشمل أراض جديدة”، وذلك في تلميح إلى الشرق الأوسط الجديد التي تريده أميركا أن يكون مجموعة دويلات أو سلطات حكم ذاتي أو متصرفيات تتصارع في ما بينها وتلحأ كل منها لإسرائيل لتحظى بحمايتها وبالرعاية الأميركية.
وما يزيد الطين بلة، هو أن تصريحات نتنياهو التي تعتبر إعتداء صارخا على كل الدول العربية وتشكل تهديدا خطيرا لحكام العرب مجتمعين، تم التعاطي معها ببرودة مخيفة هي أشبه بالاستسلام، حيث لم تقطع أي دولة مطبّعة علاقتها بإسرائيل ولم تستدع سفيرها ولم تطرده أو تعطيه إجازة مفتوحة ولم تتخذ أية إجراءات بما في ذلك دعوة القمتين العربية، والعربية الإسلامية للانعقاد للبحث في تهديد نتنياهو بضم أجزاء جديدة من الأراضي العربية، ضمن حرب إستيطانية دخلت مراحل متقدمة، بل إقتصر الاعتراض فقط على أضعف الإيمان الذي لا يبدل من غطرسة وأطماع إسرائيل في إغتصاب المزيد من الأراضي العربية.
ربما أدرك نتنياهو أن العرب باتوا بلا أنياب، ومن لا يزال يحتفظ بهذه الأنياب أو بأجزاء منها في محور المقاومة تعمل حكومات بلاده تحت الضغط الأميركي الإسرائيلي على إنتزاعها تارة تحت شعار “حصرية السلاح” وتارة أخرى بعنوان: “تحقيق السيادة”، حرصا على نيل رضى الولايات المتحدة ومعها إسرائيل للحصول على فتات المساعدات التي لم تترجم على أرض الواقع.
تصريحات نتنياهو أوحت أن مخطط إسرائيل الكبرى خرج من مرحلة الدراسات والتنظير إلى مرحلة التنفيذ، وما حرب الابادة في غزة والاستعدادات العسكرية الجارية لاحتلالها، وضم الضفة إلى الكيان، وتثبيت الاحتلال في لبنان في ست نقاط بعدما إضيفت نقطة جديدة إلى النقاط الخمس، والإتيان بحكومة تسعى إلى سحب سلاح المقاومة وتخضع لكل الشروط الأميركية ومن دون أن تمتلك القدرة أو القوة على المواجهة أو حماية أرضها، والتوترات التي تشهدها سوريا التي قضم العدو ثلث مساحتها، والأزمات التي تلاحق الأردن والعراق ومصر، كل ذلك يؤكد بما لا يقبل الشك أن نتنياهو لا يمزح ولا يطلق بالونات إختبار، بل هو يعي ما يقول ويريد أن تتحقق في عهده قيام دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
لا شك في أن المخطط الإسرائيلي التوسعي والدعم الأميركي له ليسا قدرا، وبالتالي يمكن مواجهته، لكن ذلك لا يحصل بمزيد من الانبطاح باتجاه التطبيع أو بناء العلاقات السرية مع إسرائيل إلى أن يحين موعد إشهارها، بل بتعزيز حركات المقاومة ورفدها بالسلاح والتجهيزات اللازمة لتتمكن من التصدي لهذا المشروع، لا أن تسعى الحكومات إلى تجريدها من سلاحها كما يحصل في لبنان الذي لم يحرك مسؤولوه ساكنا أيضا تجاه تصريحات نتنياهو التي من شأنها، بعد ما حصل من تطورات أن تقلب الطاولة وتعيد خلط الأوراق وتجعل التمسك بالمقاومة وسلاحها وكل أسباب قوتها واجبا وطنيا لا يمكن تجاهله.














