جعجع يمهّد لحرف البوصلة السياسية عن إتجاهها الطبيعي!!.. غسان ريفي

عندما ورد بند “حصرية السلاح بيد الدولة” في خطاب القسم لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ومن ثم في البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام، لم يُسجل أي إعتراض عليه، إنطلاقا من قناعة لدى الجميع بضرورة إعطاء الدولة كل مقومات القوة التي تمكنها من بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، ولا سيما من قبل ثنائي حزب الله وحركة أمل الذي منح الحكومة الثقة، ما يعني موافقته الضمنية على قرار “حصرية السلاح” وفق تسلسل الأولويات في الخطاب والبيان.

سارت الأمور على مدار ستة أشهر بشكل طبيعي، تعاون مثمر بين الرؤساء الثلاثة دفع القوات اللبنانية على لسان رئيسها سمير جعجع الى إتهامهم بإحياء الترويكا، والتزام كامل من المقاومة بوقف إطلاق النار على الرغم من كل الخروقات والاعتداءات الاسرائيلية التي لم توفر حتى المناسبات الدينية والأعياد لتنغيص فرحة بيئة المقاومة، بإنتظار أن تفي أميركا وفرنسا والمجتمع الدولي بالتعهدات التي قطعوها على أنفسهم لجهة الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها وإغتيالاتها والانسحاب من الأراضي اللبنانية وإطلاق الأسرى، لتطلق الحكومة عجلة حصرية السلاح من ضمن إستراتيجية دفاعية تعزز الأمن الوطني.

فجأة ومن دون سابق إنذار تبدلت اللهجة الاميركية وتبدلت معها الأولويات، وتمت الاطاحة بالرد اللبناني لمصلحة ورقة أميركية وصلت إلى مجلس الوزراء بصيغة “الإقرار العاجل ومن دون مناقشة” وقد كان لأميركا ما أرادت في جلستيّ ٥ و ٧ آب الجاري من دون إطلاع الوزراء على مضمون الورقة التي كان نواف سلام أكبر المتحمسين لاقرارها إرضاء لمن أتى به رئيسا على ظهر الانقلاب الذي شهدته جلسة الاستشارات النيابية التي أفضت إلى تكليفه.

لم تكن مستغربة ردة فعل الثنائي سواء على مستوى رفض القرار أو على مستوى إنسحاب وزرائه من جلسة حصرية السلاح وكل الوزراء الشيعة من جلسة الورقة الأميركية، خصوصا أن الثنائي كان ينتظر إلتزاما من الرئيسين عون وسلام بالأولويات التي تضمنها البيان الوزاري والتي تم الانقلاب عليها من دون أسباب موجبة سوى الضغط الأميركي الهادف إلى إراحة إسرائيل وتأمين مصالحها.

لكن المستغرب هي الحملة الممنهجة التي تلت قرار الحكومة وحاولت إخراج النقاش في “حصرية السلاح” من بعده الوطني المتعلق بالعدو الذي يحتل أرضا لبنانية إلى الزواريب الطائفية والمذهبية الضيقة، فضلا عن الاستفزازات التي أطلقها كثيرون وعبارات التشفي والاستضعاف والاستخفاف التي تناقض توصية رئيس الجمهورية في خطاب عيد الجيش.

وما زاد الطين بلة، هو إستخدام القرار في توتير الأجواء، وفي النفخ في بوق الفتنة السنية – الشيعية، والشيعية – المسيحية وتجنيد كوادر وناشطين لهذه المهمة ما زالوا يحاولون إيجاد الأرضية لتعميم التوترات وفي كل المناطق، في حين كان يفترض بمن يعنيهم الأمر أو بمن يدعي الغيرة والسيادة أن يتعاطوا مع قرار الحكومة إنطلاقا من مصلحة لبنان العليا سواء في حصرية السلاح أو الإبقاء عليه لحين تنفيذ إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار.

وجاءت التصريحات الإيرانية لتفتح باباً جديدا من أبواب الفتنة، حيث حركت المشاعر الوطنية والسيادية لدى بعض المرتهنين للخارج من دون أن تهز الاعتداءات والاغتيالات الاسرائيلية جفنا لهم، أو تثير حفيظتهم التدخلات الأميركية والفرنسية والاقليمية في تفاصيل التفاصيل اللبنانية، ما يُظهر أن “من لا يقدر على الجمل يستقوي على الجمّال”.

بالأمس تفتقت عبقرية سمير جعجع في مطالعة صحافية وجد فيها أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين “تشكل تهديدا عسكريا للبنان”، مطالبا الحكومة “بدعوة جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي إلى عقد جلسات طارئة لطرح مسألة التهديد الإيراني للبنان، وبتقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي مفادها أن إيران تتوعد لبنان وصولا إلى تهديده بالتدخل العسكري المباشر”.

ما قاله جعجع في مطالعته، ليس أمرا عابرا، بل هو تمهيد لحرف البوصلة السياسية عن إتجاهها الطبيعي المستمر منذ أكثر من نصف قرن ضد إسرائيل، وتحويلها إلى إيران، وبالتالي إستبدال العداء لإسرائيل بالعداء لإيران، علما أن جعجع الذي طلب تحريك العالم لأجل تصريحات إيرانية، لم يسبق له أن طالب الدولة بعقد إجتماع لمجلس الأمن المركزي لطرح مسألة الاعتداءات الاسرائيلية المستمرة على لبنان منذ سنة وعشرة أشهر، كما أن وزير الخارجية القواتي عندما سُئل عن عدم تقديم الشكاوى بحق إسرائيل إلى مجلس الأمن، أجاب بسخرية: “كل يوم في عدوان شو كل يوم بدنا نطلع بيان أو نقدم شكوى”.

ما صدر عن جعجع معطوفا على سلوك وزيره في الحكومة يُظهر بوضوح سعي القوات لتغيير العقيدة اللبنانية، وضرب الجيش بالمقاومة من خلال اتهامها بتفجير مستودع وادي زبقين، وتحريضه على سحب السلاح بالقوة، ما يهدد بفتنة داخلية تريدها إسرائيل لاستكمال مخططها الدموي والتوسعي والتقسيمي في لبنان.


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal