يُثبت رئيس الحكومة نواف سلام في كل إستحقاق أنه بعيد كل البعد عن الناس، عن تطلعاتهم عن أفكارهم عن أحلامهم عن أوجاعهم عن أحزانهم وعن أفراحهم، فيغط في سبات عميق أمام كل ما يتعلق بهم، سواء عن قصد، أو ربما هي شخصيته التي لا تعنيها هموم الآخرين كونه إعتاد الكلام الدبلوماسي والمصافحة بالكفوف البيضاء.
في الساعات الـ48 الماضية، عاش لبنان حدثين تاريخيين:
الأول، تمثل بإطلاق سراح المناضل الأممي جورج عبدالله من السجون الفرنسية بعد 41 عاما من الاعتقال ليعود الى حضن وطنه الذي نذر نفسه للدفاع عنه ولاحق العدو الاسرائيلي الى خارج الحدود للثأر منه لوطنه وللقضية الفلسطينية.
والثاني، تمثل برحيل عبقري لبنان الفنان الأممي زياد الرحباني نجل المبدع الراحل عاصي الرحباني وسفيرة لبنان والعرب والعالم الى النجوم وأيقونه الغناء السيدة فيروز، والذي شكل على مدار نصف قرن وعي جيل بأكمله وترك بصمات لا تمحى في السياسة والثقافة والفن والموسيقى، ومدرسة قائمة على الصراحة والصدق ومتابعة أخبار الناس، والسخرية من الواقع، وإستشراف المستقبل، ما جعل جنازته تجمع كل التناقضات اللبنانية التي كان زياد ينتقدها بقساوة لكنها تنزل برداً وسلاماً على أصحابها.
ربما شاء القدر أن يقترن خروج المناضل الثوري جورج عبدالله من السجن بوفاة الفنان الكبير زياد الرحباني، وكأنه ممنوع على لبنان أن يكمل فرحة أو أن يشعر بإنتصار كامل، أو أن يتنفس أملاً في إجتماع المكونات الثورية النضالية التي يعشقها كثير من اللبنانيين لتغيير واقع أو لكسر صورة نمطية.
في ظل هذين الحدثين الكبيرين والمؤثرين في تاريخ وحاضر ومستقبل لبنان غاب رئيس الحكومة نواف سلام عن مشهد الفعل، وإكتفى برتابة الحضور وتمثيل رئيس الجمهورية في القداس الالهي لراحة نفسه في كنيسة رقاد السيدة في المحيدثة ـ بكفيا ليضع على نعش زياد الرحباني وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور، هذا الوسام الذي كان يُفترض أن يلمع على صدر زياد في حياته وهو مستحق له، ولربما كان رفَضَه وسَخِر منه، كونه كان زاهداً في كل شيء لا تعنيه المظاهر ولا المفاخر ولا التكريمات ولا الشخصيات السياسية.
كان الأجدى بالرئيس سلام أن يعلن الحداد الوطني ليوم واحد مع تنكيس الأعلام وتعديل في برامج الإذاعة والتلفزيون على وفاة زياد الرحباني، لكنه لم يفعل مبرراُ ذلك بمعايير معينة تفرض إتخاذ مثل هكذا قرار، فمن الأحق والأجدر من زياد الرحباني الذي حمل لبنان على أشرعة إبداعاته الفنية خمسين سنة الى كل أنحاء العالم، ونقش في جيل كامل الفكر والثقافة والفن والوعي والادراك؟.
وكان الأجدى أيضا بالرئيس سلام أن يسأل وهو في فرنسا عن موعد إطلاق سراح المناضل جورج عبدالله، خصوصا أن تواجده في باريس للقاء الرئيس ماكرون تزامن مع إطلاق سراحه، لكنه آثر العودة في صباح اليوم نفسه الى لبنان، من دون أن يحرك ساكنا تجاه مناضل من بلده، وكأن من أمضى 41 عاما في السجون الفرنسية غريبا وغير مرغوب فيه من دولته التي كان يفترض برئيس حكومتها ذو التاريخ اليساري الذي يفتخر به أن ينتظر جورج عبدالله ويعيده معه الى أرض الوطن عله كان يسجل علامة مضيئة في مسيرته الحكومية التي ما تزال بعيدة عن محاكاة آلام الناس.
أخفق نواف سلام في التعاطي مع حدثين تاريخيين، وضيّع على نفسه فرصتين كانتا كفيلتين بتقريبه من شريحة واسعة تكاد أن تفقد الأمل بوطنها، لكن يبدو أن سلام وحكومته لا يشبهان المناضل جورج عبدالله والراحل زياد الرحباني، فهذين العملاقين يتطلعان الى دولة القانون والعدالة الاجتماعية والمساواة، والى دولة مدنية خارج القيد الطائفي، دولة تتبنى القضية الفلسطينية، دولة تقاوم إسرائيل، والحكومة السلامية تفتش عن كيفية إرضاء أميركا بالرضوخ لشروطها الاستكبارية التي تتناقض تماما مع فكر زياد ونضال جورج.













