مع التغييرات السياسية التي شهدها لبنان إثر العدوان الاسرائيلي، ومن ثم إعادة تكوين السلطة بإنتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، سعت القوات اللبنانية بكل ما لديها من إمكانات إعلامية ولوجستية الى إثبات وجودها سياسيا والتأكيد على أنها الفريق الأقوى مسيحيا والأكثر تمددا على الساحة والأكبر تمثيلا وشعبية.
وشكلت الانتخابات البلدية والاختيارية فرصة سانحة للقوات لترجمة طموحاتها من جبل لبنان الى محافظة الشمال وعكار وتحديدا الكورة التي يفترض الوقوف عند التحالفات التي شهدتها.
في جبل لبنان لاحقت القوات اللبنانية أعضاء المجالس البلدية في كل البلدات وتابعت المخاتير وصولا الى القرى النائية لتجمعهم في سجلاتها وتؤكد أن شعبيتها تكبر وأن رسالتها ستكون قاسية في الانتخابات النيابية المقبلة، وهي آثرت عدم الاعلان عن توجهاتها قبيل فتح صناديق الاقتراع خوفا من خسارة تنعكس عليها سلبا في السياسة، لكنها سارعت بعد إعلان النتائج الى تبني الفائزين وتجيير فوزهم لمصلحتها.
وفي إنتخابات الشمال وعكار تحالفت القوات اللبنانية مع التيار الوطني الحر وتوافقت معه في البترون المدينة التي لا يحتمل أي طرف خسارة بلديتها، وأيضا في القبيات العاصمة المارونية في عكار التي تجنب الجميع الدخول في معركة غير معروفة النتائج وفي بعض البلدات، فيما خاض الفريقان منافسة قاسية وسباقا محموما في مناطق عدة ولم تخل من تبادل الاتهامات والانتقادات ومحاولات تسجيل النقاط على بعضهما البعض.
إعتمدت القوات في الكورة قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة”، فخالفت كل التوقعات وتحالفت مع قسم من الحزب القومي التابع للنائبين سليم سعادة وأسعد حردان متجاوزة كل العداء التاريخي مع هذا الحزب، وقد تبلور هذا التحالف في أنفة وددة وبطرام وأميون وكفرحزير، في مواجهة التيار الوطني الحر وتيار المردة والنائب أديب عبد المسيح.
ومما يثير الاستغراب أكثر هو أن القوات دعمت رموزا قومية لطالما سعى الحزب السوري القومي الاجتماعي الى خوض معاركها لإيصالها الى سدة السلطة المحلية وقد برز ذلك في أميون وبطرم وعدد من البلدات الأخرى، وذلك من أجل تحقيق الانتصارات وتسجيل أكبر عدد من البلديات في الدفتر القواتي الذي سيجمع في نهاية المراحل الانتخابية العدد النهائي للبلديات وأعضائها والمخاتير الذين سيشكلون جسر عبور للقوات الى الانتخابات النيابية المقبلة التي سيرفعون فيها مجددا شعار العداء للحزب القومي والتحريض عليه بهدف الإثارة وإستمالة الشارع المسيحي.
لا شك في أن القوات ما كانت لتتحالف مع الحزب القومي لولا شعورها بالخطر من التحالف المواجه من الوطني الحر والقومي والمردة والنائب أديب عبد المسيح الذي شكل حالة من القلق للقوات خصوصا أنه فاجأ الجميع بحضوره في كل البلدات الكورانية سواء تلك التي شهدت توافقا أو تزكية أو تلك التي شهدت معارك، وسواء كانت مسيحية أو مسلمة.
ويمكن القول أن عبد المسيح وخلال ثلاث سنوات من نيابته نجح في مقارعة تيارات سياسية تقليدية تخوض المعارك منذ عقود من الزمن ولديها حضور متجذر في الكورة، وفي الدخول شريكا لها كمرجعية سياسية لها نفوذها وتأثيرها في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، وقد تمكن عبدالمسيح من الفوز بـ 22 عضوا في 9 بلديات، وبثماني مخاتير وقد حاز في البلدات التي خسر فيها على 40 الى 45 بالمئة من الأصوات.
أثبتت الانتخابات البلدية في الكورة، أن القوات والتيار على حد سواء لا يستطيعان خوض أي مواجهة بمفردهما، لذلك فإنهما إضطرا الى نسج تحالفات الضرورة سواء مع القومي بالنسبة للقوات أو مع المردة بالنسبة للتيار، في حين شكل النائب أديب عبد المسيح بيضة القبان خصوصا أنه الأقرب الى الكورانيين والأكثر تواجدا على الأرض بين نائبين للقوات والتيار يقتصر نشاطهما على التعاطي السياسي فقط.








