ذهب وهج التكليف، وضاع خطابه بين المصالح والمكاسب والمطالب النيابية التي أغرقت الرئيس المكلف نواف سلام بحصص وحقائب وزارية فرضتها تيارات سياسية يبدو أنه لم يقوَ على مواجهتها، فرضخ لبعضها، وساير بعضها الآخر، وإستقوى على أبناء طائفته وجلدته من النواب السنة الذين إلتقوه مجتمعين وفرادى وحملوا إليه إقتراحات وخيارات، من دون أن يحرك ساكنا تجاههم مكتفيا بالقول: “خليني شوف”.
هذا التجاهل من قبل الرئيس المكلف لأكثرية النواب السنة باستثناء قلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة من المقربين الذين يعتبرون أنفسهم أن لهم الفضل بتسميته، دفع بعضهم الى إطلاق إنتفاضة في وجه سلام، معتبرين أنه يتعاطى معهم بفوقية سياسية غير مبررة، فيما التنسيق قائم على أفضل ما يرام مع التيارات السياسية والطائفية الأخرى من مسيحيين وشيعة ودروز.
ظهرت بوادر هذه الانتفاضة في عكار عبر النائب وليد البعريني ممثلا كتلة “الاعتدال الوطني” التي تضم أكثرية سنية، وتتحالف مع مجموعة من النواب السنة في بيروت ومناطق أخرى، حيث أكد “عدم السكوت عن إهدار حق هذه الكتل التي يجب أن تتمثل على غرار تمثيل سائر الكتل النيابية”، لافتا الى أن اللقاءات التي عقدها النواب السنة مع الرئيس سلام “لم يحصلوا فيها لا على حق ولا على باطل”.
وإذا كانت الانتفاضة السنية إنطلقت من كتلة “الاعتدال الوطني”، فإن غضبا عارما يجتاح كتلة “التوافق الوطني” التي يمتد تمثيلها من عكار (محمد يحيى) الى طرابلس (فيصل كرامي وطه ناجي) الى بيروت (عدنان طرابلسي) الى البقاع (حسن مراد) خصوصا أن الرئيس سلام حاول أكثر من مرة أن يماطل في الرد على مطالبها، عازيا ذلك لإنشغاله بتيارات سياسية من طوائف أخرى وفي كيفية إستمالتها وإرضائها.
هذا الواقع، ترك إنطباعا لدى أكثرية نواب السنة، أن أمور تأليف الحكومة تسير بعكس ما يشتهون، وأن الرئيس المكلف نواف سلام المضطر لتلبية مطالب سائر التيارات السياسية، يريد أن يحتفظ بالحصة السنية كاملة لنفسه، بتسمية خمسة وزراء سنة من ثوار 17 تشرين ومن المجتمع المدني والمنظمات الدولية، الأمر الذي سيضاعف من حالة الغضب تجاهه وهي قد تترجم في مجلس النواب بحجب الثقة من الأكثرية النيابية السنية عن الحكومة.
في غضون ذلك، تشير المعلومات الى أن سلام يعمل ما بوسعه لتلبية مطالب الثنائي الشيعي، وكذلك القوات اللبنانية والكتائب والحزب التقدمي الاشتراكي، ويدرس خياراته حيال مطالب التيار الوطني الحر وتيار المردة والطاشناق، لكنه ما يزال يصطدم بعقبات حقيقية تجاه وزارة المالية التي تعارض تيارات مسيحية إعطائها الى الثنائي وخصوصا القوات التي هددت أمس بالانسحاب من الحكومة وعدم إعطائها الثقة، كما تحدثت معلومات أمس عن رسائل دولية عربية صبت بهذا الاتجاه.
كل ذلك، من شأنه أن يضع الرئيس المكلف في موقف لا يُحسد عليه، فلا هو قادر على تجاوز توازنات الداخل وحساسياته، ولا هو مستعد لتجاهل توصيات الخارج الذي أتى به رئيسا مكلفا ويضغط عليه لإنجاز التأليف، ولا هو يستطيع تلبية كل المطالب السياسية،
لذلك فقد إتجه نحو ديكور ثوري مجتمعي سني إستفز الكتل السنية ودفعها إلى إنتفاضة حاول سلام إستيعابها بإصدار بيان أكد فيه أن “لا أسماء ولا حقائب نهائية”.
ولا شك في أن كلام سلام يتعارض مع كل ما روّجت له مصادر مطلعة تحدثت عن إمكانية إصدار مراسيم الحكومة أمس أو اليوم على أبعد تقدير، الأمر الذي يؤكد أن الأمور تتجه نحو تعقيدات جديدة، وأن التخبط الحكومي ما يزال سيد الموقف ولا حلول قريبة.




















