لم يكن قرار إطلاق جبهة الإسناد من جنوب لبنان في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر عام ٢٠٢٣، مجرد استجابة لموقف تكتيكي طارئ فرضته أحداث “طوفان الأقصى”، بل كان تعبيراً عن لحظة فارقة حسمت فيها قيادة المقاومة خيارها التاريخي استناداً إلى منظومة متكاملة من المحددات الاستراتيجية، الجيوسياسية، الدينية، والأخلاقية.
وعلى الرغم من حجم التضحيات الجسام نتيجة العدوان الشامل والمدمر الذي شنه العدو الصهيوني على لبنان في أيلول/سبتمبر عام ٢٠٢٤، إلا أن قراءة المنطلقات الأساسية لهذا القرار تكشف عن عمق الرؤية التي أدارت المعركة، وتؤكد أن ما أُنجز لم يكن مغامرة عابرة، بل خياراً مصيرياً أفرزه منطق وحدة المسار والمصير العربي والإسلامي في مواجهة مشاريع الهيمنة والمخططات الصهيو – أمريكية في المنطقة.
المرتكزات الأخلاقية والإنسانية والدينية
لا يمكن فهم قرار المقاومة في فتح جبهة الإسناد بمعزل عن البعد الأخلاقي والإنساني الذي يمثل جوهر عقيدتها؛ فعندما شن العدو على قطاع غزة حرب إبادة جماعية ومسحاً شاملاً للمقوّمات الحياتية، كان الوقوف في موقع المتفرج يعني السقوط في اختبار الإنسانية والتخلّي عن أقل الواجبات الشرعية والأخلاقية، فإن نصرة المظلوم في الأدبيات الدينية والإنسانية ليست خياراً مجرداً يخضع لحسابات الربح والخسارة المادية الضيقة، بل هي واجب وجوبي يتسامى على الكلف الظرفية.
لقد شكل هذا المرتكز الإيماني والأخلاقي الرادع الأساسي ضد منطق الحياد السلبي؛ إذ إن تغليب خيار السلامة الفردية أو الإقليمية في لحظة يتعرض فيها شعب عربي شقيق للإبادة يمثل تخلياً عن المسؤولية التاريخية. ووفق هذا المنظار، جاء قرار المقاومة في لبنان ليؤكد أن الدم العربي والإسلامي واحد، وأن حدود العاطفة والتضامن الكلامي لم تعد تكفي لردع عدوان يستهدف الوجود والكرامة.
المنطلقات الجيوسياسية والإستراتيجية
من الناحية الجيوسياسية، أدركت المقاومة مبكراً أن معركة غزة ليست معركة محصورة في جغرافية القطاع، بل هي الحلقة الأولى من مشروع إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط (وفق ما جاهر به مسؤولو العدو انفسهم) بما يخدم التفوق الإسرائيلي المطلق والدعم الأمريكي اللامحدود. وكان الاستفراد بقطاع غزة والقضاء على المقاومة فيه سيعني حتماً الانتقال المتدرج إلى بقية الجبهات، وفي مقدمتها لبنان.
من هنا، جاءت معادلة “وحدة الساحات” وتكامل جبهات محور المقاومة لتشكل سداً منيعاً يمنع العدو الصهيوني من الاستفراد بأي طرف على حدة، واستطاعت جبهة الإسناد كسر عقيدة العدو القائمة على نقل المعركة إلى أرض الخصم وحسمها بسرعة، وفرضت عليه حرب استنزاف طويلة لم يعتد عليها عبر تاريخه، كما أن توزيع قدرات العدو العسكرية وإشغال منظوماته الاستخبارية والعسكرية على طول الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة لم يكن مجرد تخفيف للضغط عن غزة، بل كان تثبيتاً لمعادلة إقليمية مفادها أن أي استهداف لمكوّن أساسي من الأمة سيوجه بكتلة متماسكة من قدرات المقاومة، ولعلّ هذا المنطق هو الذي يحكم اتفاقية الدفاع المشترك التي تتبنّاها جامعة الدول العربية، ولكن باتت مقرّة على الورق فقط، ولا بد من الاشارة هنا إلى أن المقاومة مارست حقها الطبيعي في تحرير الأرض اللبنانية المحتلة حيث إن أول عملية عسكرية نفذتها في سياق الاسناد استهدفت مواقع للعدو في مزارع شبعا المحتلة، ولكن العدو بادر الى توسيع دائرة عدوانه ما دفع المقاومة للرد على مواقعه في عمق الاراضي الفلسطينية المحتلة.
استنهاض القضايا الكبرى وتكريس وحدة المصير العربي والإسلامي
عانت المنطقة العربية على مدى عقود من محاولات حثيثة لتفكيك قضاياها الجامعة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، عبر مسارات التطبيع والاهتمام بالمصالح الضيقة لكل دولة على حدة، وجاءت معركة الإسناد لتتجاوز الحواجز المذهبية والطائفية وتعيد إحياء مفهوم “القومية الجامعة” و”وحدة المصير العربي والإسلامي” من نافذتها الفلسطينية، كون القدس البوصلة الأساسية التي تلتقي عندها إرادة الشعوب الحرة، وسعت المقاومة بقرارها الشجاع إلى إعادة تصويب الفكر السياسي العربي نحو الخطر الحقيقي الذي يتهدد المنطقة، متجاوزة الخلافات الجغرافية والقطرية؛ وأثبتت المعركة أن مشروع الهيمنة الأمريكية-الصهيونية لا يفرق بين بلد عربي وآخر، وأن مواجهة مخطط بناء الشرق الأوسط الجديد يتطلب استنهاض الجماهير وتذكيرها بأن أمن المنطقة وحريتها كتل لا تتجزأ.
عدوان ٢٠٢٤ على لبنان.. تضحيات بحجم القضية
شكل العدوان الصهيوني الشامل والمدمر على لبنان في أيلول/سبتمبر عام ٢٠٢٤ محاولة صهيو-أمريكية كبرى لكسر إرادة المقاومة وتدفيع البيئة الحاضنة ثمن تمسكها بخيار الإسناد، ونتج عن هذا العدوان اغتيال كبار قادة المقاومة وكوادرها وعلى رأسهم الشهيد السيد حسن نصر الله وتدمير القرى والبنى التحتية ومحاصرة البيئة الشعبية للضغط نحو تفكيك المنظومة الدفاعية للمقاومة، غير أن القراءة الاستراتيجية لنتائج هذا العدوان تكشف عن حقيقة ساطعة مفادها أن حجم التضحيات الجسام، على الرغم من قساوته، لم يحقق للعدو أهدافه الاستراتيجية المتمثلة في إنهاء المقاومة أو إرغامها على القبول بشروط الإذعان والتسليم.
إن ثبات المقاومين في الميدان وتصديهم البطولي في الحدود والتلاحم الشعبي العالي أثبت أن القوة العسكرية الغاشمة، مهما بلغت درجة تدميرها، عاجزة عن حسم المعارك ضد إرادة الشعوب المتمسكة بأرضها وحقها.
وعند تقييم معركة الإسناد بالمنظور الاستراتيجي بعيد المدى، نجد أن الحسابات العسكرية المباشرة تندمج مع التحولات الكبرى التي أحدثتها في هيكلية الصراع، حيث أثبتت المعركة أن الكيان الصهيوني عاجز عن خوض معارك طويلة وممتدة على جبهات متعدّدة دون دعم وتدخل أمريكي مباشر ومستمر وغير محدود على المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.
ومن أهم التحوّلات تأسيس مرحلة جديدة من الوعي العام بأن خيار المفاوضات والتنازلات لم يجلب للمنطقة سوى المزيد من الضياع والتوسع الاستيطاني والهوان، بينما خيار المقاومة ثابت لا يخضع للمساومات، وهو الوحيد القادر على فرض المعادلات وشلّ يد العدو.
إن القراءة المتأنية لمسار الأحداث منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣ وصولاً إلى مواجهة العدوان الشامل في أيلول/سبتمبر ٢٠٢٤ تقود إلى استنتاج استراتيجي وفكري حاسم يؤكد أن نهج المقاومة ليس مجرد خيار سياسي أو نظام عسكري ظرفي يمكن التخلي عنه تحت وطأة الضغوط والتضحيات، بل هو عقيدة وجودية وخيار استراتيجي وحيد أثبتت الوقائع صوابية أهدافه ونجاعة نتائجه، وفي المقابل أثبتت التجربة التاريخية أن أي مساومة أو تنازل أمام مشروع الهيمنة الصهيو-أمريكي لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة النفوذ الاستعمارية الرامية لنزع سلاح الأمة واستباحة أرضها وكرامتها، والهيمنة على كامل المنطقة العربية والاسلامية دون استثناء، تطبيقاً للمزاعم التلمودية بإنشاء “إسرائيل الكبرى”.
وعلى ذلك فإن التضحيات الكبيرة التي قدمها لبنان ليست دليلاً على خسارة المعركة، بل هي الثمن الطبيعي والواجب لرفض الخنوع وإسقاط المشاريع الاستكبارية الكبرى، وأثبتت هذه المعركة، بعمقها الأخلاقي والقومي والجيوسياسي، أن المقاومة هي القوة الوحيدة القادرة على صيانة السيادة، وحماية الوجود، واستعادة الحقوق، ورسم مستقبل المنطقة بأيدي أبنائها الشرفاء، مهما بلغت التضحيات وعظمت التحدّيات.
Related Posts
None found




