يَلُفُّني لَيْلٌ هَجينٌ،
وَيَتَنَفَّسُني الصَّبْرُ،
وَيَشْرَبُني التُّرابُ
قَطْرَةً قَطْرَةً.
أَمْشي،
فَتَتَعَثَّرُ في خُطْوي
مَدينَةٌ مِنْ رَمادٍ،
وَالرّيحُ تَفْتَرِسُ صَوْتي،
وَدَميَ المَجْنونُ
يَذوبُ في الضَّوْءِ،
وَأَجُرُّ خَلْفي
ظِلَّ وَطَنٍ.
في البُعْدِ،
وُجوهٌ تَمْشي المُسْتَحيلَ،
وَأَطْفالٌ يَنامونَ
عَلى حَقائِبِ الرَّحيلِ،
وَمِفْتاحٌ بارِدٌ
يَتَدَلّى مِنْ يَدٍ
تَبْحَثُ عَنْ بابٍ.
هُناكَ،
أُمٌّ تَطْوي اسْمًا
وَتُخَبِّئُهُ تَحْتَ قَلْبِها،
ثُمَّ تَفُكُّهُ
حَرْفًا حَرْفًا.
وَرَجُلٌ يَنْحَني عَلى حَجَرٍ،
كَأَنَّهُ يُصْغي
إِلى هَمْسِ بَيْتٍ
تَحْتَ الرُّكامِ.
تَتَبَعْثَرُ الجِهاتُ،
وَتَبْقى رائِحَةُ الخُبْزِ
عالِقَةً في الجِدارِ؛
كَأَنَّ البَيْتَ
لَمْ يُغادِرِ المَكانَ.
أَرْفَعُ عَيْني،
فَأَنْتَقي نَعْشي وَأَمْشي
في زَحْمَةِ الجَنائِزِ؛
فَالتُّرابُ
ضاقَ بِأَسْماءِ العابِرينَ.
وَالمُوَدِّعونَ
أَصْنامٌ مِنَ الصَّمْتِ؛
جَفَّتْ دُموعُهُمْ،
فَصاروا يَنْفُضونَ الغُبارَ
عَنْ صورَةٍ،
عَنْ لُعْبَةٍ،
عَنْ مِفْتاحٍ
اِسْتَحالَ قِلادَةً
في صَدْرِ الغِيابِ،
وَعَنْ ابْتِسامَةٍ
يَتيمَةٍ
عَلِقَتْ بَيْنَ الحَلْقِ وَالحِصارِ.
وَحينَ ضاقَ الوَطَنُ
حَتّى لَمْ يَعُدْ يَتَّسِعُ
لِخُطْوَةٍ واحِدَةٍ،
بَدَأَ يَتَسَرَّبُ
مِنْ بَيْنِ الرُّكامِ:
في رَغيفٍ ساخِنٍ،
في عُنْقودٍ يابِسٍ،
في أُغْنِيَةٍ بَعيدةٍ،
وَفي حَرْفٍ
نَجا مِنَ النّارِ.
خَبَّأَ الجَنوبَ
في قَصيدَةٍ
تَفوحُ مِنْها رائِحَةُ الأَرْضِ،
وَأَوْدَعَ البِقاعَ
في تَنّورِ الكَرْمِ،
حَيْثُ يَخْرُجُ الخُبْزُ
وَتَبْقى فيه
رائِحَةُ أُمّي.
وَحَمَلَ بَيْروتَ
في مِدادِها،
مَدينَةَ العِلْمِ
وَالعَلَمِ،
حَتّى البَحْرُ
أَعْطَتْهُ بَيْروتُ
زُرْقَتَهُ.
وَمَدَّ الشَّمالَ
في أُغْنِيَةٍ
تَحْفَظُها الحَناجِرُ،
وَتَنامُ عَلى إيقاعِها
حِكاياتُ البُيوتِ.
لَمْ يَحْمِلِ الغائِبُ
وَطَنَهُ في حَقيبَةٍ؛
كانَ أَثْقَلَ مِنْ أَنْ يُحْمَلَ،
وَأَخْفى مِنْ أَنْ يُرى.
اِسْتَقَرَّ
بَيْنَ القَلْبِ وَاللِّسانِ.
وَحينَ ضاعَ الطَّريقُ،
بَقِيَ الاسْمُ
يَدُلُّ عَلَيْهِ.
في آخِرِ المَمَرِّ،
كانَ البابُ
واقِفًا في العَتْمَةِ.
لا يَدٌ تَدُقُّهُ،
وَلا نافِذَةٌ
تَنْتَظِرُ الصَّباحَ.
وَاليَدُ،
كُلَّما عادَتْ،
عادَتْ فارِغَةً.
وَبَقِيَ السَّلامُ
وَرَقَةً مَطْوِيَّةً
في جَيْبِ العالَمِ؛
لا يَرُدُّ غائِبًا،
وَلا يُعيدُ بَيْتًا
إِلى أَهْلِهِ.
أَمّا الحُروفُ،
فَكانَتْ تَعْرِفُ الطَّريقَ؛
تُنادي الأَسْماءَ
مِنْ تَحْتِ الرُّكامِ،
وَتَرُدُّ إِلى الجُدْرانِ
ظِلالَ أَهْلِها.
وَكُلَّما تَهَدَّمَ بَيْتٌ،
بَقِيَ في الذّاكِرَةِ
مَوْضِعٌ لِجِدارٍ.
وَكُلَّما حاوَلَ الغِيابُ
أَنْ يَقْتَلِعَ الاسْمَ،
أَعادَتْهُ أُمٌّ
إِلى فَمِها.
وَكُلَّما أُغْلِقَ بابٌ،
بَقِيَ المِفْتاحُ
في اليَدِ.
وَحينَ يُكْتَبُ الاسْمُ،
لا يَعودُ الوَطَنُ
مَكانًا نَعودُ إِلَيْهِ.
يَعودُ مِنَ الحَرْفِ،
وَيَسْكُنُ فِينا.
بِحَرْفٍ
لا يَموتُ.




