يواجه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو أخطر أزمة منذ وصوله إلى رئاسة «الفيفا»، بعدما بدأت 3 من أكبر الاتحادات القارية في العالم دراسة إمكانية الدفع نحو تصويت بحجب الثقة عنه، في خطوة من شأنها، إذا وصلت إلى الجمعية العمومية، أن تسجل سابقة غير معهودة في تاريخ المؤسسة الكروية الممتد منذ تأسيسها عام 1904.
وكشفت وكالة «رويترز»، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا»، والاتحاد الآسيوي، واتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف»، تدرس خيار حجب الثقة عن إنفانتينو، وسط تصاعد الخلاف بشأن إدارته للاتحاد الدولي وخصوصاً بعد أزمة خطة إدخال مستثمرين من القطاع الخاص إلى الحقوق التجارية لأبرز بطولات الفيفا.
وتمثل مجرد مناقشة هذا الخيار تطوراً استثنائياً، إذ لم يشهد تاريخ الفيفا تصويتاً رسمياً لحجب الثقة عن رئيس وهو في منصبه، رغم أن محاولات مشابهة كادت أن تظهر خلال عامي 2001 و2002 في خضم الصراع الذي واجهه الرئيس السابق جوزيف بلاتر، من دون أن تصل آنذاك إلى تصويت رسمي.
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى اقتراح طرحه إنفانتينو لإنشاء كيان تجاري جديد تابع للفيفا، تُنقل إليه الحقوق التجارية لكأس العالم وبطولات أخرى، على أن تُباع حصة أقلية منه لمستثمرين من القطاع الخاص.
وكان التصور يقوم على تقييم الكيان بنحو 20 مليار دولار، مع إمكانية جمع قرابة 4.2 مليار دولار من خلال بيع حصة تصل إلى نحو 20%، الأمر الذي أثار معارضة شديدة من مسؤولين واتحادات قارية رأوا أن المشروع يمس بصورة مباشرة بأحد أهم الأصول التجارية التي يملكها الاتحاد الدولي.
فالحقوق التجارية لكأس العالم، بما تشمل من حقوق بث ورعاية وتسويق وترخيص، تمثل أحد أهم مصادر القوة المالية للفيفا، وبالتالي فإن إدخال مستثمر خاص إلى الكيان الذي يسيطر عليها لم يُنظر إليه باعتباره مجرد قرار استثماري، بل خطوة يمكن أن تُحدث تغييراً طويل الأمد في الطريقة التي تدار بها موارد كرة القدم العالمية.
وزادت حدة الاعتراض بسبب الطريقة التي أُعد بها المشروع، إذ اتهم مسؤولون كبار إنفانتينو بعدم توفير مستوى كافٍ من الشفافية والتشاور مع الاتحادات القارية والأطراف المعنية قبل الدفع بالخطة، وهو ما جعل الخلاف يتجاوز مسألة جدوى الاستثمار ليصل إلى قواعد الحوكمة وآلية اتخاذ القرارات داخل الفيفا.
وأمام حجم المعارضة، اضطر إنفانتينو في نهاية المطاف إلى التراجع عن المشروع، إلا أن سحبه لم يؤد إلى احتواء الأزمة، بل فتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن طريقة إدارة الاتحاد الدولي وصلاحيات رئيسه وحدود قدرة المؤسسات الداخلية على مراقبة القرارات الكبرى.
وتعمقت الأزمة أكثر مع مغادرة المدير التشغيلي للفيفا كيفن لامور، الذي كان من أبرز المنتقدين لخطة الاستثمار، بعدما اعتبر أن العاملين داخل المؤسسة تعرضوا للتضليل بشأن المشروع.
وأدى رحيل لامور إلى توسيع دائرة المعارضة، إذ أعلن نائب رئيس الفيفا ساندور تشاني سحب دعمه لإنفانتينو، واعتبر ما جرى بمثابة «القشة الأخيرة» في سلسلة من الخلافات المتعلقة بإدارة الاتحاد الدولي. كما برزت مواقف معارضة من شخصيات نافذة داخل كرة القدم الأوروبية والآسيوية والدولية.
وكان إنفانتينو قد أعلن في نيسان 2026 عزمه الترشح مجدداً لرئاسة الفيفا، في الانتخابات المقررة في آذار 2027، ما يجعل الأزمة الحالية شديدة الحساسية بالنسبة إلى مستقبله السياسي داخل المؤسسة.
ولا تقف المعارضة عند حدود الاتحادات القارية، فقد سحبت اتحادات وطنية عدة دعمها لترشحه، بينها نيوزيلندا، التي طالبت بمراجعة مستقلة للأزمة المرتبطة بخطة بيع الحصة التجارية، فيما تصاعدت المطالب بإجراء مراجعة أوسع لمسائل الحوكمة والشفافية داخل الفيفا.
كما دخلت مجموعات جماهيرية دولية على خط الأزمة، إذ دعمت منظمات للمشجعين عريضة تطالب باستقالة إنفانتينو وإجراء إصلاحات هيكلية في الفيفا، معتبرة أن الجدل حول تحويل جزء من الحقوق التجارية للبطولات إلى مستثمرين خاصين أثار أسئلة تتعلق بمن يملك كرة القدم وكيف تُدار عائداتها.
ورغم ذلك، فإن الانتقال من المعارضة السياسية داخل المؤسسة إلى إسقاط رئيس الفيفا ليس أمراً سهلاً، خصوصاً أن النظام الأساسي للاتحاد الدولي لا يتضمن مادة منفصلة وواضحة تنظم آلية «حجب الثقة» عن الرئيس.
إلا أن النظام يتيح عقد مؤتمر استثنائي للفيفا إذا تقدم خُمس الاتحادات الأعضاء بطلب خطي يحدد الموضوعات المطلوب إدراجها على جدول الأعمال.
ومع وجود 211 اتحاداً وطنياً عضواً في الفيفا، يتطلب الوصول إلى هذا الحد تقديم طلب من 43 اتحاداً على الأقل، وعندها يتعين عقد المؤتمر الاستثنائي خلال مدة لا تتجاوز 3 أشهر من تاريخ استلام الطلب. كما يمتلك كل اتحاد وطني صوتاً واحداً، ولا يسمح بالتصويت بالوكالة أو بالمراسلة.
ومن الناحية العددية، تستطيع بعض الاتحادات القارية الكبرى تأمين هذا العدد من الاتحادات الوطنية إذا توفرت إرادة سياسية موحدة داخلها، لكن تحقيق ذلك لا يعني تلقائياً إسقاط إنفانتينو.
فإذا وصل الأمر إلى التصويت، تشير قراءة نظام الفيفا إلى أن القرارات التي لا تخضع لغالبية خاصة تُتخذ عموماً بالغالبية البسيطة للأصوات الصحيحة المدلى بها، أي أكثر من نصف الأصوات المشاركة فعلياً في القرار. إلا أن غياب نص مباشر خاص بسحب الثقة يجعل الدخول في هذه العملية سابقة قانونية ومؤسساتية بحد ذاته.
وفي حال نجح تحرك من هذا النوع في إنهاء رئاسة إنفانتينو، فإن النظام المؤسسي للفيفا يضع نائب الرئيس الأطول خدمة في موقع قيادة الاتحاد بصورة مؤقتة إلى حين انتخاب رئيس جديد، وهو الموقع الذي يشغله حالياً رئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، وفق «رويترز».
غير أن هذا السيناريو يبقى محفوفاً بحسابات شديدة التعقيد، لأن إنفانتينو لا يزال يحتفظ بقاعدة دعم واسعة داخل أجزاء مهمة من كرة القدم العالمية.
فالكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم لا تزال من أبرز الجهات الداعمة له، كما يحتفظ بدعم داخل أميركا الجنوبية، إضافة إلى اتحادات عربية أعلنت مساندتها له علناً.
وكان رؤساء 6 اتحادات عربية، بينها اتحادات قطر والمغرب، قد أعلنوا في 13 آب دعمهم لإنفانتينو في خضم الأزمة، وبين الموقعين مسؤولون يشغلون أيضاً مقاعد في مجلس الفيفا، ما يعكس أن الانقسام لا يجري فقط بين القارات وإنما أيضاً داخل بعض الاتحادات القارية نفسها.
ويتضح حجم الانقسام بصورة خاصة داخل الاتحاد الآسيوي، حيث دخل الاتحاد القطري في مواجهة علنية مع رئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، على خلفية مشاركة الأخير في رسالة مشتركة مع «يويفا» و«كونكاكاف» تنتقد قيادة إنفانتينو.
واعتبر رئيس الاتحاد القطري حمد بن خليفة آل ثاني أن الاتحادات الأعضاء لم تُستشر قبل إصدار الموقف باسم الاتحاد الآسيوي، فيما رد الشيخ سلمان بأن عليه مسؤولية الدفاع عن مصالح وقيم كرة القدم الآسيوية عندما تبرز قضايا أساسية من هذا النوع.
وهذا الانقسام يجعل المعركة أكثر تعقيداً من مواجهة مباشرة بين إنفانتينو و3 اتحادات قارية، إذ سيكون على معارضيه إقناع عشرات الاتحادات الوطنية بأن الوقت لم يعد مناسباً لانتظار الانتخابات الرئاسية المقبلة في آذار 2027، بل يستدعي تدخلاً استثنائياً قبل ذلك الموعد.
في المقابل، يراهن حلفاء إنفانتينو على أن غالبية أعضاء الفيفا لا تزال إلى جانبه، وخصوصاً الاتحادات التي استفادت خلال سنوات رئاسته من زيادة برامج الدعم المالي ومشروعات تطوير كرة القدم في الدول الصغيرة والمتوسطة.
ومنذ توليه الرئاسة في شباط 2016 خلفاً لبلاتر، بنى إنفانتينو جانباً مهماً من قوته داخل الجمعية العمومية على توسيع برامج التمويل والتطوير المخصصة للاتحادات الوطنية، وهي كتلة انتخابية بالغة الأهمية لأن نظام الفيفا يمنح كل اتحاد صوتاً واحداً، بصرف النظر عن حجمه أو عدد سكان بلده أو ثقله الكروي.
وهنا تكمن إحدى أصعب العقبات أمام خصومه: القوة السياسية داخل الفيفا لا تُقاس بعدد اللاعبين أو البطولات أو العائدات التجارية للقارة، بل بعدد الأصوات الوطنية. وبالتالي فإن اعتراض اتحادات قوية مثل «يويفا» أو الاتحاد الآسيوي لا يكفي وحده ما لم يتحول إلى تأييد مباشر من عدد كبير من الاتحادات الأعضاء.
ويخشى بعض معارضي إنفانتينو أيضاً من أن يؤدي طرح تصويت من دون ضمان الغالبية اللازمة إلى نتيجة عكسية، إذ إن فوزه في مواجهة حجب الثقة يمكن أن يتحول إلى تفويض سياسي جديد قبل أشهر قليلة من انتخابات رئاسة الفيفا في آذار 2027، ويضعف قدرة خصومه على الدفع بمرشح بديل.
ولهذا السبب، لا يزال المعارضون يدرسون حساباتهم بدقة، خصوصاً أنه لم يظهر حتى الآن مرشح رسمي قادر على جمع القوى المختلفة خلفه في مواجهة إنفانتينو.
وفي موازاة الأزمة، ظهر خلاف آخر بشأن أهلية إنفانتينو للترشح لولاية إضافية، إذ طالبت منظمة «فير سكوير» الحقوقية الفيفا بمنعه من خوض انتخابات 2027، معتبرة أنه يكون قد بلغ الحد الأقصى للولايات المسموح بها، بينما يستند موقف الفيفا إلى أن الفترة التي قضاها إنفانتينو بين 2016 و2019 لإكمال ولاية بلاتر لا تُحتسب ولاية كاملة ضمن حدود الفترات الرئاسية.
وبذلك، تتداخل أمام إنفانتينو في الوقت نفسه 3 جبهات: أزمة الثقة الناتجة عن مشروع الاستثمار التجاري، وتنامي المعارضة داخل اتحادات قارية ووطنية، والنقاش القانوني حول ترشحه مجدداً في 2027.
وتضع هذه التطورات الفيفا أمام واحدة من أخطر أزمات السلطة الداخلية منذ فضائح الفساد التي هزت المؤسسة عام 2015 وأدت في نهاية المطاف إلى رحيل بلاتر، وهي الأزمة التي وصل إنفانتينو نفسه إلى الرئاسة في أعقابها حاملاً وعوداً بإصلاح الحوكمة واستعادة الثقة بالمؤسسة.
لكن الفارق اليوم أن الخلاف لا يرتبط بتحقيق قضائي خارجي بقدر ما يدور داخل بنية كرة القدم العالمية نفسها، وبين رئيس الفيفا وعدد من أقوى المؤسسات التي يفترض أن تعمل معه.
ولهذا، فإن مجرد وصول الملف إلى مؤتمر استثنائي وتصويت على الثقة سيشكل حدثاً تاريخياً بغض النظر عن النتيجة، إذ سيضع للمرة الأولى بصورة مباشرة مسألة استمرار رئيس الفيفا في منصبه أمام أصوات الاتحادات الوطنية خلال ولايته.
أما إذا لم يتحول التهديد إلى تصويت، فستبقى الأزمة مفتوحة حتى انتخابات آذار 2027، التي تبدو منذ الآن مختلفة جذرياً عن الاستحقاقات السابقة، بعدما انتقل إنفانتينو من موقع المرشح الذي كان يحظى بتأييد واسع داخل المؤسسة إلى رئيس يواجه أكثر حركات المعارضة تنظيماً منذ توليه المنصب.
وبين حسابات الـ43 اتحاداً المطلوبة لفتح باب المؤتمر الاستثنائي، والغالبية اللازمة للفوز بأي تصويت، وقاعدة الدعم التي لا يزال إنفانتينو يحتفظ بها في إفريقيا وأميركا الجنوبية وبين عدد من الاتحادات العربية، يبدو أن كرة القدم العالمية دخلت معركة سياسية قد تكون نتائجها أكبر بكثير من صفقة تجارية أُلغيت.
فالمعركة باتت تتعلق بمن يملك قرار الفيفا، وكيف تُتخذ القرارات التي تمس أهم أصول كرة القدم العالمية، وما إذا كان النظام الحالي يملك آليات كافية لمحاسبة رئيسه عندما تفقد اتحادات كبرى الثقة بقيادته.






