خيّطوا أفواهكم.. واكسروا أقلامكم!!.. غسان ريفي

لم يكن إعلان نقابتيّ الصحافة والمحررين عن تحرك عاجل واسع ظهر اليوم، مجرد اعتراض نقابي على قانون الإعلام، ولا مجرد عتب على تعديلات جرى التوافق عليها ثم سُحبت من النص في اللحظة الأخيرة، بل هي في جوهرها صرخة مدوية في وجه مسار سياسي يبدو أنه يريد للإعلام اللبناني أن يدخل مرحلة جديدة عنوانها: “الصمت واللاموقف”.

المشكلة ليست في قانون ينظم الإعلام ويواكب التطور التقني، فهذا أمر مطلوب وضروري، إنما في قانون يتحول إلى أداة للضغط على أصحاب الكلمة، ويجعل السجن سيفًا مسلطًا فوق رؤوس الصحافيين والإعلاميين، ويضعهم أمام معادلة خطيرة: إما الصمت أو تمسيح الجوخ أو مواجهة العقوبات.

 

هذا الواقع يدفع الى التساؤل: هل المطلوب تنظيم الإعلام أم تقييده؟ تطويره أم تدجينه؟ وهل الهدف حماية المجتمع من الفوضى الإعلامية، أم حماية السلطة من الإعلام الذي يراقبها ويحاسبها ويكشف أخطاءها وتجاوزاتها؟

 

لعل أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة هو أن تعتبر الإعلام خصمًا يجب تطويقه، بدل أن تراه شريكًا في بناء الدولة ومؤسساتها. فالصحافة الحرة ليست امتيازًا للصحافيين، بل حق للمجتمع كله، ووجودها هو أحد أهم مقومات الحياة الديمقراطية.

 

وإذا كان القانون الجديد الذي أقره مجلس النواب أمس كما جاء من اللجان النيابية من دون أي تعديل، يفتح الباب أمام عقوبات من شأنها أن تجعل الصحافي يفكر ألف مرة قبل أن يكتب أو ينتقد أو يكشف، فإننا لا نكون أمام تنظيم للمهنة، بل أمام محاولة لقتلها وإنهائها. 

وعندما يصبح السجن احتمالًا حاضرًا في ذهن كل صاحب قلم، فإن الرقابة الذاتية ستصبح أقسى من أي رقابة رسمية، وسيتحول الخوف إلى شريك دائم في غرف الأخبار والتحرير.

 

والأخطر أن تقييد الصحافة لن يقتل الكلمة فقط، بل سيهدد مهنة بأكملها. فالصحافة اللبنانية تعاني أصلًا من أزمات مالية واقتصادية وإعلانية خانقة، وأي قانون يضيف إليها ضغطًا قانونيًا وعقوبات قاسية قد يدفع مؤسسات إعلامية إلى الإقفال، ويشرّد صحافيين وإعلاميين وعاملين في هذا القطاع، ويدفع بهم إلى البطالة.

 

عندها لا يعود الأمر متعلقًا بخلاف بين السلطة والإعلام، بل يصبح مسألة تتصل بمصير قطاع كامل، وبميزة أساسية لطالما تميز بها لبنان عن محيطه وهي: “حرية الصحافة والتعبير”

 

ومن هنا، يأتي تحرك نقابتيّ الصحافة والمحررين اليوم كرسالة تكتسب دلالة سياسية تتجاوز تفاصيل القانون نفسه، علما أن النقابتين دخلتا اجتماعًا رسميًا مع النواب على أساس تفاهمات واضحة حول إجراء تعديلات جوهرية وذلك قبل يوم واحد من إنعقاد الجلسة التشريعية، ثم فوجئتا بإقرار القانون من دون إدخال التعديلات المتفق عليها، ما يطرح علامة استفهام كبيرة حول طريقة إدارة السلطة التشريعية للحوار مع أهل المهنة، وحول مدى احترامها للتفاهمات التي تُعقد معهم.

 

وإذا كانت السلطة التي جاءت تحت شعار بناء الدولة وإعادة الاعتبار إلى المؤسسات تريد أن تبدأ عهدها بتقييد الإعلام، فإنها تكون عمليًا أمام تناقض كبير بين خطابها وممارستها.

 

فلبنان الذي فقد الكثير من مزاياه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا يزال يمتلك ميزة يصعب تعويضها: “صحافة حرة تستطيع أن تنتقد وتعارض وتكشف وتفضح وتقول “لا” عندما يكون الصمت أسهل”.

 

لذلك، فإن المعركة التي أعلنتها نقابتا الصحافة والمحررين ليست معركة نقابية ضيقة، ولا دفاعًا عن امتيازات فئة مهنية، بل هي معركة دفاع عن حرية عامة وعن لبنان الذي كان فيه القلم قادرًا على مواجهة السلطة، وعن الصحافي القادر على أن يقول ما لا يريد المسؤول سماعه.

 

وإذا كان من أتى بهذه السلطة يريد للبنانيين إعلامًا بلا صوت، وصحافة بلا موقف، وأقلامًا ترتجف أمام القانون، فليقلها بوضوح :”خيّطوا أفواهكم واكسروا أقلامكم”.

 

أما الصحافة اللبنانية، التي عاشت الحروب والأزمات والانقسامات وسقوط الحكومات، فلن يكون من السهل إسكاتها بقانون.

 

المعركة بدأت اليوم، وهي أكبر من قانون إعلام؛ إنها معركة على صورة لبنان وهويته، وعلى ما إذا كان سيبقى بلدًا للحرية أم يتحول إلى بلد يخشى فيه أصحاب الكلمة من الكلمة، علما أن التاريخ يشهد على أن أحدا لم يخض معركة مع الاعلام وخرج فيها منتصرا، فهل تعي السلطة ذلك؟..

 



 

Post Author: SafirAlChamal