عندما تفرض الحرب تطوير آليات العمل الأمني.. قراءة في متطلبات المرحلة اللبنانية!.. بقلم: العميد منذر الأيوبي

لا تظهر قيمة العقيدة الأمنية في الظروف الاعتيادية بقدر ما تُختبر عندما تتغير طبيعة التهديدات. فالمؤسسات التي اعتادت إدارة الجريمة وحفظ النظام والاستجابة للحوادث، تجد نفسها أمام بيئة مختلفة عندما تتداخل الأزمات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والمعلوماتية، وتتحول المخاطر من أحداث منفصلة إلى مسارات متشابكة.

 

أفرزت الصراعات الحديثة أنماطًا جديدة من التهديدات، تشمل الحروب الممتدة، التهديدات الهجينة، الهجمات السيبرانية، الحرب المعلوماتية؛ اضافةّ إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. 

ويمثل لبنان بيئة واضحة لهذا النوع من التحديات. فاستمرار العدوان بالتوازي مع تراكم الأزمات الداخلية، يجعل العمل الأمني أمام احتمالات متغيرة لا تسمح بالاعتماد على الاستجابة وحدها، بل تفرض تطوير القدرة على الاستشراف والاستعداد والتكيف.

 

من هنا تبرز ضرورة الانتقال من إدارة الحوادث إلى إدارة المخاطر. فالمقاربة الحديثة لا تكتفي بتحديد ما وقع والاستجابة له، إنما تبحث وتُقاطع مؤشرات ومعلومات تتوفر وتُقرأ، ما يسمح بتقدير الاحتمالات، تحديد الانعكاسات، ووضع البدائل المناسبة والمعالجات..

ويتطلب ذلك اعتماد “تقدير موقف” على المستوى الوطني يُحدّث بصورة دورية، ويجمع المعطيات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية ضمن رؤية متكاملة. فالمعلومة التي تبقى داخل حدود المؤسسة التي جمعتها تفقد جزءًا من قيمتها في ظل المخاطر المترابطة، بينما يتيح التكامل بناء صورة أشمل وأكثر دقة تساعد على ترتيب الأولويات واتخاذ القرار.

 

ولا يكتمل هذا المسار دون تخطيط قائم على السيناريوهات. فالاعتماد على فرضية واحدة في بيئة متحركة يرفع كلفة المفاجأة، بينما يسمح تعدد زوايا الرؤيا إظهار ما حُجِب وما يتوجب مسبقًا، مع الحفاظ على مرونة الانتقال من مسرح حدث الى آخر، أو ظهور تهديدات جديدة خارج نطاق التقدير الأولي.

 

عليه تبرز الحاجة إلى وحدةٍ في الجهد الوطني دون دمج المؤسسات أو تداخل الصلاحيات. بمعنى تنسيق الأهداف، وتبادل المعلومات، وتكامل الأدوار بين المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية، بما يمنع تشتت الجهد ويعزز فاعلية القرار الوطني.

 

توازيآ، تعتبر حماية “البنية التحتية الحيوية” جزءًا أساسيًا من الأمن الوطني. واستهدافها كعناصر استراتيجية -قطاعات الكهرباء، المياه، الاتصالات، النقل، الصحة، القطاع المالي- لا يقتصر أثره على تعطيل الخدمات، بل ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في استمرار اداء وظائفها وعلى قدرة المجتمع على الصمود..

 

استكمالآ؛ يفرض التحول والتطور الرقمي المتسارع وضع الأمن السيبراني (مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية) في صلب المنظومة الأمنية. إذ بات الفضاء الرقمي احد مسارح الصراع والتأثير، عبر تسريب أو قرصنة المعلومات، ونشر الأخبار المضللة، والتأثير في الثقة العامة الخ… 

 

من جهة أخرى؛ لم تعد مهمة (مجلس الدفاع الأعلى- هيئة إدارة الأزمات والكوارث) لاحقة لوقوع الحدث، بل جزءًا من منظومة الاستعداد له. فالازمات الممتدة والحروب المتمادية تتطلب قدرة على ترتيب الأولويات، وتنسيق المؤسسات، وإدارة الموارد، واتخاذ القرار تحت ثقل الضغوطات، مع المحافظة على استمرارية الخدمات الأساسية.

 

من هنا تبرز أهمية استمرارية عمل الدولة (Continuity of Government / Continuity of Operations) بوصفها أحد المكونات العملية للصمود الوطني. ونجاحها لا يقاس فقط بقدرتها على احتواء مصدر الخطر، وإنما مواصلة عمل المؤسسات، وتقديم الخدمات الأساسية، والحفاظ على النظام العام وانتظام القرار.

 

من زاوية أخرى، تفرض مسارات التفاوض يقظة اكبر؛ وبالتالي البقاء على مستوى الجهوزية الأمنية القصوى.قد تخفف الجلسات من مستوى التصعيد، لكنها لا تلغي المخاطر، واستمرارية العدوان في محاولة لتغيير الوقائع أو استثمار التطورات الميدانية للتأثير ورفع المكاسب.

 

إن تطوير العمل الأمني في لبنان لا يحتاج انتظار الوقت المناسب؛ إذ يستوجب تحديث أدواته وتوسيع قدراته على التعامل مع بيئة أصبحت أكثر تعقيدًا. والمطلوب بناء منظومة تجمع بين الاستشراف والتخطيط وتكامل المعلومات وحماية القطاعات الحيوية وإدارة الأزمات واستمرارية عمل المؤسسات.

 

في هذه المعادلة، يصبح الصمود الوطني امتدادًا طبيعيًا للعقيدة الأمنية الحديثة؛ فالدولة الأكثر أمنًا ليست التي لا تواجه الأزمات، بل التي لا تسمح للأزمات بأن تعطل قدرتها على الاستمرار..

 

الكاتب: العميد منذر الأيوبي 

عميد متقاعد.. مختص في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب.

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal