بين المناطق التجريبية والمماطلة الإسرائيلية.. لبنان يشتري “سمكًا في البحر”.. غسان ريفي

كلما تقدمت المفاوضات المرتبطة بتنفيذ اتفاق الإطار، ازداد المشهد تعقيداً، واتضح أن إسرائيل تدير العملية بما يخدم مصالحها الأمنية والسياسية، فيما يجد لبنان نفسه ملتزماً بالاتفاق من دون أن يحصل على أي مكسب ملموس، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول الجدوى الفعلية للمسار القائم وآفاقه.

 

العدو الإسرائيلي “يبيع لبنان من كيسه”، إذ يمنحه ما يمتلكه أصلاً في ما يسمى بـ”المناطق التجريبية”، وهي مناطق غير محتلة ينتشر فيها الجيش اللبناني ويسيّر دورياته بشكل طبيعي. ويبدو أن الهدف من هذا الطرح ليس تقديم أي تنازل من قبل إسرائيل، بل تحويل هذه المناطق إلى مناطق خالية من السلاح بما يفتح أمام العدو مسارين يصبان في مصلحته: الأول، تحويل الجيش اللبناني إلى حارس للمنطقة المحتلة التي يبدو أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب منها.

والثاني، إبقاء الباب مفتوحاً أمام توسيع الاحتلال متى شاءت والدخول إلى تلك المناطق من دون أي مقاومة.

 

في المقابل، يبدو لبنان وكأنه يشتري “سمكاً في البحر”، إذ يلتزم باتفاق الإطار وينفذ ما يترتب عليه، من دون أن يحصل على أي مقابل واضح. فالمناطق التجريبية تقع أصلاً خارج الخط الأصفر، وجدولة الانسحاب الإسرائيلي لا تزال غائبة تماماً عن النقاش، ولا يأتي أحد على ذكرها، لا من الجانب الإسرائيلي ولا حتى من قبل الضامن الأميركي. 

بل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث عن “إعادة انتشار” للجيش الإسرائيلي، ولم يتحدث عن انسحاب كامل وفقاً للمطلب اللبناني، ما يعزز المخاوف من محاولة تكريس الاحتلال بصيغ جديدة.

 

ويواكب ذلك غموض كبير يحيط بالجهة التي ستراقب وتقيّم عمل الجيش اللبناني الذي يرفض بشكل قاطع أن يكون العدو الإسرائيلي هو الجهة المشرفة على أدائه أو تحركاته، كما أن لجنة التنسيق التي يفترض أن تدير الأمور ميدانياً وأن تمنع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، لا تزال في علم الغيب، خصوصاً في ظل استمرار العدو في اعتداءاته، وكان آخرها استهداف الجيش اللبناني بشكل مباشر في زوطر الغربية.

 

وتؤكد هذه الوقائع أن إسرائيل تحاول فرض معادلات جديدة على الأرض، بحيث تتحكم بتحركات الجيش اللبناني وتحدد مساراته وانتشاره، وهو ما يتناقض كلياً مع اتفاق الإطار ومع أبسط مفاهيم السيادة الوطنية.

 

وبات واضحاً أيضاً أن إسرائيل تشتري الوقت، وتماطل وصولاً إلى هدفها الأساسي المتمثل بعدم الانسحاب. 

وتظهر هذه السياسة بوضوح في الآليات المتبعة، فإذا كانت بلدة زوطر الغربية، وهي غير محتلة، قد احتاجت إلى نحو شهر للتوافق على انتشار الجيش فيها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بلدة فرون وصريفا غير المحتلتين، فكم ستحتاج البلدات المحتلة فعلياً حتى ينسحب منها الجيش الإسرائيلي وينتشر فيها الجيش اللبناني؟.

وتشير مصادر مواكبة إلى أن الأمر قد يستغرق سنوات عدة، بما يعني عملياً إطالة أمد الاحتلال، واستمرار إسرائيل في ممارسة مختلف أنواع الضغوط على السلطة اللبنانية لانتزاع المزيد من التنازلات خلال الجولات التفاوضية المتلاحقة.

 

وتقود هذه المعطيات إلى استنتاج واضح مفاده أن ما يجري حتى الآن ليس سوى عملية تضييع للوقت، فإسرائيل لا تريد الانسحاب، والولايات المتحدة لا تبدو جادة في ممارسة ضغط فعلي لتحقيق المطالب اللبنانية، بل إن أولوياتها تبدو مرتبطة بدعم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وتعزيز موقعه السياسي في الداخل الإسرائيلي. 

أما السلطة اللبنانية، فتبدو عاجزة عن ممارسة أي ضغط مضاد، بعدما تخلت عن عناصر القوة التي تمتلكها.

من هنا، يبدو أن المشهد اللبناني مرشح لمزيد من التعقيد والغموض، في ظل انقسام سياسي عامودي يتسع يوماً بعد يوم، ومعارضة متنامية لاتفاق الإطار، عبّرت عنها أمس كتلة الوفاء للمقاومة التي اعتبرت أن السلطة “تمعن في التخلي عن السيادة الوطنية”، محذرة من أن “استمرار هذا المسار قد يفضي إلى تثبيت وقائع ميدانية وسياسية يصعب تغييرها مستقبلاً”.

 



 

Post Author: SafirAlChamal