انتهت الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة في روما إلى النتيجة نفسها التي انتهت إليها الجولات الخمس السابقة، حيث واصلت إسرائيل التعامل بوصفها الطرف المعتدى عليه، مطالبةً لبنان بتقديم ضمانات أمنية وسياسية، مقابل منحه ما هو في الأصل حق وطني.
المقترحات التي طرحتها تل أبيب تقوم على إقرار منطقتين تجريبيتين، إحداهما شبه محتلة والأخرى غير محتلة، إلى جانب بلدات تقع على تخوم مناطق الاحتلال، بما يتيح لها اختبار آلية أمنية جديدة قبل تعميمها.
وفي الوقت نفسه، شددت على ضرورة دفع الجيش اللبناني إلى نزع سلاح حزب الله، وهو الهدف الذي عجزت عن تحقيقه خلال الحرب، وتحاول اليوم انتزاعه عبر المفاوضات، بما يحقق لها هدفين متلازمين: سحب سلاح المقاومة، وإثارة فتنة داخلية لبنانية طالما سعت إليها، بما يشرعن استمرار احتلالها ويمنحها دورا مؤثرا في المعادلة السياسية اللبنانية.
ورغم الأجواء الإيجابية التي حاول الجانبان اللبناني والإسرائيلي إظهارها عقب انتهاء الجلسة، فإن الفجوة بين التصريحات الايجابية والوقائع الميدانية لا تزال واسعة.
فوقف إطلاق النار ما يزال متعثرا، وإسرائيل تواصل عمليات القصف والتدمير والتجريف بصورة يومية، فيما تؤكد حركة قوات الاحتلال في الجنوب أنها ليست في وارد الانسحاب من أي منطقة، ولا سيما أن استمرار الاحتلال والعدوان والاغتيالات بات جزءا من الحسابات السياسية والانتخابية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو استعدادا للاستحقاق الانتخابي المرتقب في تشرين الأول المقبل.
وتكشف خريطة المناطق التجريبية المقترحة أن إسرائيل تسعى إلى تحويل الجيش اللبناني إلى قوة لحماية الحدود ومنع المقاومة من الوصول إلى المناطق المحتلة وتنفيذ عمليات ضد قوات الاحتلال. فأغلبية هذه المناطق تقع بمحاذاة الأراضي المحتلة، ودخول الجيش إليها بعد نزع السلاح، تحت إشراف أميركي ـ إسرائيلي، من شأنه أن يوفر لإسرائيل هامشا أمنيا مريحا، ولا سيما أن المساحات الواسعة التي لا تزال تحتلها في جنوب لبنان تجعل الحديث عن هذه المناطق أقرب إلى ذر الرماد في العيون منه إلى تنفيذ فعلي لاتفاق أو تحقيق انسحاب حقيقي.
وتتجه الأنظار إلى الاجتماع العسكري الافتراضي المقرر عقده غدا بين لبنان وإسرائيل، في ظل توقعات بظهور تباينات جدية، بعدما تمسكت قيادة الجيش اللبناني بموقفها الثابت القائم على رفض دخول أي منطقة قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي منها بصورة كاملة وواضحة وصريحة.
وهذا الموقف يجعل الآليات الأمنية التي يطالب بها العدو غير قابلة للتنفيذ من الجانب اللبناني، الأمر الذي قد يحد من مفاعيل الجولة السادسة ويعيدها إلى المربع نفسه الذي انتهت إليه الجولات السابقة، والتي يرى كثيرون أنها تصب، حتى الآن، في مصلحة إسرائيل أكثر مما تخدم لبنان.
وتشير مصادر مواكبة إلى أن ما يجري، سواء في الجولات السابقة أو في جولة روما، لا يعدو كونه عملية شراء للوقت بانتظار اتضاح صورة التطورات الإقليمية. فإذا انهارت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وعادت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على طهران، فإن إسرائيل قد تجد في ذلك فرصة للإطاحة باتفاق الإطار والعودة إلى التصعيد العسكري ضد لبنان، إدراكا منها، ومعها الإدارة الأميركية، أن ما تسعى إلى فرضه عبر المفاوضات، رغم تجاوب السلطة اللبنانية معه، لا يزال مرفوضا من قبل المقاومة التي تتمسك بالأولويات الوطنية التي سبق أعلنها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف إطلاق النار.
وانطلاقا من ذلك، يفترض أن يشكل هذان العنوانان محور اللقاء المرتقب بين الرئيس جوزيف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإن كانت التوقعات تشير إلى أن الأخير لن يتردد في الدفاع عن المصالح الإسرائيلية ومواصلة الضغوط الرامية إلى نزع سلاح المقاومة.
ويعزز هذا الانطباع ما أعلنه ترامب أمس مجددا، عندما اعتبر أن الرئيس السوري أحمد الشرع قادر على التعامل مع حزب الله أكثر من إسرائيل، رغم المعلومات التي تفيد بأن هذا الطرح نوقش خلال اجتماع مصغر على هامش قمة الناتو في أنقرة، قبل أن يسقط بعد مواقف أبلغها الشرع نفسه، إلى جانب عدد من الرعاة الإقليميين، أكدت أن هذا الخيار ليس مطروحا.




